تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
المسمّى وعظمته جلّ شأنه وله الأسماء الحسنى ، كما أمر في القرآن بذكر اسمه وتسبيحه . أقول : أراد ( قده ) وأفاد أنّ الابتداء بنفس اسم اللّه الكريم ، إنّما هو إعزاز لاسمه وتمجيد لذاته . فقد تبيّن واتّضح من جميع ما ذكرنا أنّ الباء للتعدية . والابتداء بالاسم نفسه لا بغيره . وهل يمكن للفقيه الإفتاء باستحباب التسمية أو وجوبها في ابتداء الأفعال والأمور - استنادا إلى أنّ لنا باللّه سبحانه أسوة حسنة - ويجعلها دليلا شرعيّا لفتواه ، مع قطع النظر عن الأدلّة الأخرى من الآيات والرّوايات ، أم لا ؟ الأظهر عندنا العدم ؛ لعدم دلالة الآية بظاهر لفظها على ذلك بوجه من الدّلالات المعتبرة . وإنّما تكلّفوا بتقدير قولوا وأمثاله طبق نظريّاتهم واستنباطاتهم . ويلوح من كلماتهم اعتمادهم على الأسوة الّتي ذكرناها ؛ غير أنّ كلماتهم مضطربة وغير منقّحة من حيث بيان المدعى وتنظيم الدليل وتطبيقه عليه . وممّن صرّح بذلك المولى المحقّق الأردبيليّ ( قده ) في كتابه زبدة البيان / 4 ، حيث قال : ثمّ إنّه يمكن الاستدلال بها على وجوب ذلك [ في ابتداء الأفعال والأمور ] إلّا ما وقع الاتّفاق أو دليل آخر على عدمه . وقال الجصّاص الحنفيّ في أحكام القرآن 1 / 19 : والأحكام الّتي يتضمّنها قوله : « بسم الله الرحمن الرحيم » الأمر باستفتاح الأمور للتبرّك بذلك والتعظيم للّه عزّ وجلّ به ، وذكرها على الذبيحة ، وشعار وعلم من علام الدّين وطرد الشيطان . أقول : ذكر الجصّاص عدّة من الأحكام الّتي يتضمّنها قوله تعالى : « بسم الله الرحمن الرحيم » . ولا يخفى عند الفقيه الخبير أنّ ذلك مستند إلى أدلّة أخرى من الآيات والروايات . وذكره تعالى هذه الآية الكريمة في مفتتح الحمد ، لا يدلّ على شيء من الأحكام المذكورة ؛ لبداهة أنّ هذه الآية الكريمة غير مسوقة لغرض التشريع ، ولا يدلّ على وجوب البسملة أو استحبابه في ابتداء الأمور بوجه من وجوه الدّلالة . وهذا من باب خلط هذه الآية الكريمة والأدلّة الدالّة على تشريع التسمية المذكورة . هذا كلّه بناء على كون قوله تعالى : « بسم الله الرحمن الرحيم » كلام اللّه ، وقرانا أنزله ، والمتكلّم به هو اللّه تعالى . ونحن نقرؤه ونبتدئ به بقصد القرآنيّة ، وأمّا إذا قرأناه ولم نقصد به القرآنيّة بل كان المقصود من قراءته ابتداء الأمور والأفعال به ، فحينئذ