وكذلك بالنسبة إلى المؤمن الفاسق المقترف . وأمّا بالنسبة إلى المتحيّر الشاك والضالّ ، المرتاب المتردّد فلا يجري هذا الّذي ذكرناه فيه بل فيه طور آخر من البحث ؛ والّذي نقول فيه أنّ الإنسان إذا كان له عقل سالم وبدن سالم ولم يكن مستضعفا لو خلّى نفسه عن هوساته وشهواته وأغراضه واستمع إلى دعاء دعاة الحقّ يكون متذكّرا بذكرهم لا محالة على قد ذكاء فطرته ولا أقلّ يحصل له ما تتمّ به الحجّة عليه فإنّ دين اللّه والملّة الحنيفيّة يبلغها العالم والجاهل . وأمّا إذا لم يحصل له التخلي عن أغراضه وهوساته ووضع نفسه في التشكيك والترديد كي يخلّص نفسه من الائتمار بأمراء الحقّ ويسوّغ على نفسه بأن يستخفّ الحقّ وأهله ، ولا يزال يدافع في نفسه ما هجم على قلبه من احترام الحقّ وتعظيم العلم فمقتضى عدّة من الروايات أنّ هؤلاء المخذولين لا يتمكّنون من إماتة فطرتهم بحيث يحصل لهم القطع بأنّ الباطل حقّ والحقّ باطل ولا يزالون في ريبهم يتردّدون .
فانقدح ممّا ذكرنا أنّ قوله تعالى :
« قُولُوا »
خطاب لمن اتّبع ملّة إبراهيم بحيث لو آمن المخاصمون بمثل إيمانهم كانوا من المهتدين وفازوا بالفلاح والنجاح ، ولا يمكن أن يكون خطابا لجميع من أقرّ بالدّعوة الظاهرة من الضّلّال والمنافقين .
في تفسير العيّاشي 1 / 105 ، عن الفضل بن صالح عن بعض أصحابه في قوله :
« قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ »
أمّا قوله : « قولوا » فهم آل محمد صلّى اللّه عليه وآله . وقوله :
« فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا »
سائر الناس .
وفي الكافي 1 / 415 ، عن محمد بن يحيى مسندا عن سلام ، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى :
« قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا »
قال :
إنّما عنى بذلك عليّا عليه السّلام وفاطمة والحسن والحسين وجرت بعدهم في الأئمّة عليهم السّلام ، ثمّ يرجع القول من اللّه في الناس فقال :
« فإن آمنوا ( يعني الناس ) بمثل ما آمنتم به ( يعني عليّا وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة عليهم السّلام ) فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّهم في شقاق » .
أقول : الظاهر أنّه لا إشكال في شمول الخطاب الحقيقي للمؤمنين كما استظهرناه .
والروايتان شاهد صريح على ما ذكرناه وذكر أهل البيت إنّما هو من باب أفضل