تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
ومحلّه ويتمّ عليهم الاحتجاج بأنّ الأمر المخالف للفطرة خلاف البداهة والضرورة . واعلم أنّ فاطر الخلق على توحيده ومعرفته سبحانه معرفة لا تبديل فيها ولا تغيير وصانعهم على ذلك صنعا لا يتحوّل ولا يزول ، هو اللّه سبحانه وحده لا شريك له . وهو اللّه الّذي فطرهم وصبغهم فطرة قيّمة لا عوج فيها ولا صبغة حسنة جميلة لا غيب فيها . فعلى ذلك يكون قوله تعالى :
« وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً »
دالّا على شدّة حسن فعله وغاية جماله وكماله وحيث إنّه فعله تعالى مستقيما ولا يقدر عليه أحد غيره متفرّدا ومتوحّدا في ذلك ، لا يشترك فيه معه أحد . ويشهد على ذلك أنّ « أفعل » في صفاته تعالى منسلخ عن التفاضل ، لظهور أنّ مقايسة شيء متوقفه على وحدة مرتبة الشيئين ، وليس هنالك فاعل غيره سبحانه حتّى يكون هو تعالى أحسن فعلا منه . في الكافي 2 / 14 ، عن عليّ بن إبراهيم مسندا عن عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ :
« صِبْغَةَ اللَّهِ . . . »
قال : الإسلام . وفيه أيضا / 14 ، عن حميد بن زياد مسندا عن محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما السّلام في قوله اللّه عزّ وجلّ :
« صِبْغَةَ اللَّهِ . . . »
قال : الصبغة هي الإسلام . وفي تفسير العيّاشي 1 / 62 ، عن عمر بن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي مولى أبي جعفر ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه :
« صِبْغَةَ اللَّهِ . . . »
قال : الصبغة معرفة أمير المؤمنين بالولاية في الميثاق . قوله تعالى :
« قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ » .
بيان : الظاهر أنّ المجادلة والمخاصمة بين المسلمين واليهود إنّما هي في أنّ اليهود زعموا وادّعوا أنّهم أولى بكرامة اللّه واصطفاء النبي والرسول منهم . والحال أنّ هذه الدعوى باطلة من أصلها لأنّه لا يجوز لأحد تحميل عقيدته وهواه على اللّه سبحانه فإنّه سبحانه بعلمه غير المتناهي يعلم ما هو الأحسن في أفعاله وشؤونه ، بل يجب على كلّ من عقل وعرف توحيده ونعوته تعالى ، التسلم والانقياد في مقابل ما يشاؤه ويريده ، والإخلاص والتسليم بما يحكم ويقضي سبحانه في حقّه وكذلك في حقّ غيره أيضا . قوله تعالى :
« وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ » .
( 139 ) أقول : العقل الضروري شاهد وصادق في أمثال المقام أنّه يجب على كلّ أحد