وأنّ المدافعين عن حريم التوحيد هم الأنبياء الّذين حملوا علم التوحيد وأعلنوه في مشارق الأرض ومغاربها ولا اختلاف في علومهم فإنّهم أخذوا علومهم عن عين صافية فاللاحقون منهم مصدّقون لسابقيهم والسابقون منهم مبشّرون للاحقيهم . وأمّا تذكار إبراهيم عليه السّلام فمن حيث إنّه عليه السّلام أسوة وقدوة وإمام يتأسّى ويقتدى ويؤتمّ به لا من باب اختصاص الملّة والهدى به عليه السّلام فإنّ جميع الأنبياء أدلّاء على اللّه وهداة للإسلام وحماة للتوحيد .
قال في مجمع البيان 1 / 217 :
« قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ » . . .
قيل : خطاب للنّبي والمؤمنين .
وقال الرازي في تفسيره 4 / 82 : وقال القاضي : قوله
« قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ »
يتناول جميع المكلّفين .
أقول : الظاهر أنّه خطاب لجميع المكلّفين .
إن قيل : إنّ
« آمَنَّا »
لا يجوز إطلاقه في مورد « أسلمنا » أي : إنّ قوله :
« آمَنَّا »
يصدق إذا عقد قلبه وأقرّ ودان بجميع ما علم وعرف من حقيقة الدين والشريعة وأدّى ما فرض عليه قلبا وقالبا ، وروحا وبدنا فيجب عليه أداء ما فرض على لسانه أيضا ولا فرق في ذلك بين جميع منازل الإيمان ومراتبه . وأمّا إذا كان مستسلما ظاهرا معاندا بما علم من الدّين والتوحيد أو كان شاكّا متحيّرا وضالّا ومرتابا ومتردّدا فليس قوله :
« آمَنَّا »
في حقّه إلّا كذبا ونفاقا .
وأمّا من كان مؤمنا فاسقا وخلط عملا صالحا وآخر سيّئا فهذا وإن كان مؤمنا لا يصح سلب اسم الإيمان عنه في الجملة إلّا أنّ إظهار الإيمان منه على الإطلاق بحيث لا يوافق الواقع غير صحيح أيضا . على أنّ الإيمان مبثوث على الجوارح كلّها وأنّ الإيمان كلّه عمل فيجب على اللّسان الإقرار به كائنا من كان ، كما يجب على كلّ جارحة من جوارح الإنسان الإيمان الّذي فرض عليه قلبا أو قالبا .
قلت : نعم ، هذا صحيح ونحن نلتزم بوجوب الإقرار اللّساني إلّا أنّا نقول : إنّه واجب مع جميع ما يجب على القلب وغيره وجوبا نفسيّا عقليّا وقد فوّت على نفسه أن تصدر منه هذه الفريضة ، والمنافي بالاختيار لا ينافي الاختيار . وإذا عمل بهذه الفريضة الظاهريّة وعصى واستكبر بالنسبة إلى ما عداها لما كان عمله إلّا كذبا ونفاقا لا إيمانا وإذعانا . ولا يخفى أنّ هذا بالنسبة إلى المعاند المستكبر الّذي عرف الحقّ وأعرض عنه