تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وكم فرق بين الوصيّة من شخص بما بعد موته في أمواله وأولاده أو غير ذلك ، وبين الوصيّة بمعنى العهد والحكم ، فالوصيّة من إبراهيم عليه السّلام بالنسبة إلى الإسلام والتوحيد بلحاظ أنّه عليه السّلام من أعاظم الموحدين وكبراء العلماء بالتوحيد ، وله في هذا الباب مواقف بارزة ، ومجاهدات حميدة ، وخطوات صالحة ، وبراهين نيّرة ، ليست على حدّ سائر الوصايا المتعارفة بل هي من جملة مساعيه الجميلة في الأمم الغابرة ؛ يناديهم ويدعوهم إلى اللّه العزيز القدّوس ؛ كيف والملّة والإسلام الّذي أوصاه اللّه به في الأوّلين والآخرين وقام بدعوته الأنبياء المقرّبون ، وقام بدعوته الخليل عليه السّلام مدّة عمره وبذل جهده في ترويجه والذبّ عنه ، لا تنحصر التوصية به والتعهد عليه ببيت دون بيت بل هي بلاغ وإبلاغ وذكرى لقوم يعقلون ، يهتف بهذه الدعوة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وقد شرّف اللّه تعالى خليله وأثنى عليه ورضي بما وصّاه وبلّغه إلى مسامع العالمين بأحسن بلاغ في هذا السفر الكريم . وفي مجمع البيان 1 / 213 : قرأ أهل المدينة والشام « وأوصى » بهمزة بين واوين وتخفيف الصاد . قوله تعالى :
« وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » .
أقول : قوله : « يعقوب » عطف على فاعل وصّى لا إلى مفعوله أي : كذلك يعقوب أيضا ويشهد عليه مضافا إلى ما ذكره في جوامع الجامع / 26 ، والصافي / 48 ، وآلاء الرحمن / 129 وتفسير شبّر / 53 ، الآية التالية
« أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ . . . » .
وقوله :
« اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ »
أي : إنّ اللّه اختار وارتضى لكم الدين دين الإسلام ولا يحتاج إلى القول بأنّ اللّه استصفاه لكم . قوله تعالى :
« فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » .
( 132 ) هذا تحذير لهم عن أن يفاجئهم الموت وهم غير مسلمين . قوله تعالى :
« أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 387 | محمد باقر الملكي الميانجي