والحقّ ما شرحنا أوّلا من أنّ هذه المواقف الحميدة البارزة من الخليل صلوات اللّه عليه وطمأنينة صدره وثبات قدمه وما اختصّه اللّه من الكرامات والتشريفات من تواضعه وإخلاصه وإسلامه للّه حتّى آنسه تعالى بخطابات ، وأقبل جل شأنه عليه صلوات اللّه عليه إقبال الشفيق ، وانصت له إنصات الرفيق وأجابه إجابات الأحبّاء ، وهو عليه السّلام ناجاه مناجاة الأخلاء فجلس بين يدي إكرامه تعالى بوقار المجالسة ، وخضوع المخاطبة فقوله :
« أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ »
في موقف الإمامة والاصطفاء فلا بدّ أن يكون الإسلام في المورد متناسبا ومسانخا لهذا الموقف .
قوله تعالى :
« وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ » .
أقول : الضمير راجع إلى الملّة أو كلمة الإسلام . وقد اختار كل واحد منهما فريق والأمر فيه سهل لأنّ الملّة هي الإسلام والإسلام هو الملّة والظاهر أنّ المراد هو الإسلام بقرينة ذيل الآية .
والظاهر أنّ كلمة « وصّى » باعتبار موارد استعمالها تستعمل غالبا في مورد العهد والإبلاغ والحكم والتشريع قال تعالى :
« وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً » .
[ النساء ( 4 ) / 131 ]
و
« وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً . . . »
و
« وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » .
[ الأنعام ( 6 ) / 144 - 152 ]
و
« وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً . . . » .
[ العنكبوت ( 29 ) / 8 ]
و
« شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ » .
[ الشورى ( 42 ) / 13 ]