تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
بجنابه سبحانه في الدنيا والآخرة من كراماته فلا محالة ليس المتقون عنده سبحانه كالفجّار فلا يضيع لديه أجر المحسنين ولا يضيّع إيمان المؤمنين . قوله تعالى :
« إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » .
( 131 ) بيان : الإسلام المتناسب مع هذا الموقف ليس إلّا من أعلى مدارجه وأقصى منازله ، لا الإسلام العادي لعامّة المسلمين . وتشريفه تعالى إبراهيم عليه السّلام بخطاب أسلم على طريق الوحي بعد تمكّنه في موقف الاصطفاء . وليس في أمره تعالى إيّاه بالإسلام دلالة على كونه عليه السّلام قبل ذلك غير مسلم وإنّما هو حكاية حال ماضية بأنّه تعالى بعدما اصطفاه بالنّبوة والرسالة وحمّله أثقال العلم وميثاق النبوّة واجتباه بكرامة خاصّة لا بدّ من أخذ الميثاق والتعهد منه عليه السّلام على القيام بما علم والتسليم في مقابل ما ينزل عليه من الابتلاءات ، وهو عليه السّلام حينما قال اللّه تعالى له :
« أَسْلِمْ »
بادر إلى الجواب بقوله :
« أَسْلَمْتُ »
ولم يكتف بقوله :
« أَسْلَمْتُ »
بل مع زيادة تعظيم وتمجيد متواضعا ومستكينا لجلاله ، وأنّ الإسلام والاستسلام إنّما هو في قبال ربّ العالمين . فتلخّص أنّ الاصطفاء هو الإقدام والتصدّي للتصفية شيئا فشيئا مع تحقّق التصفية لا أخذ صفوة الشيء ، وأنّ الإسلام والاصطفاء متقارنان لا أنّ الإسلام أي الأمر به كان قبل البلوغ إذ لا محصّل لتوجه الخطاب إلى غير النبي ولا محصّل للإسلام العادي والبدوي للنّبي صلّى اللّه عليه وآله . فعلى ما ذكرناه يسقط ما أورده في مجمع البيان 1 / 212 : « واختلف في أنّه حتى قيل له ذلك فقال الحسن : كان هذا حين أفلت الشمس ورأى إبراهيم تلك الآيات والأدلّة فاستدلّ بها على وحدانيّة اللّه سبحانه وقال :
« يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ »
[ الأنعام ( 6 ) / 78 - 79 ] الآية ، وإنّه أسلم حينئذ . وهذا يدلّ على أنّه كان ذلك قبل النبوّة . . . وقال ابن عباس : إنّما قال ذلك إبراهيم عليه السّلام حين خرج من السرب . أقول : لم يحصل لنا شرح حياته ومواقفه عليه السّلام وتاريخ بعثته وتاريخ نزول الوحي عليه وليس القول بكلّ واحد من هذه إلّا رجما بالغيب . والظاهر من الآيات أن موقف الاستسلام كان بعد النبوّة وبعد إراءة الملكوت ،