وكذلك ناسخيّة كلّ نبيّ لما قبله من الشرائع بالمعنى الّذي يتوهّم بل الدّين الّذي ارتضاه تعالى لأنبيائه ورسله هو الإسلام قال تعالى :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 19 ]
وجميع الأنبياء يدعون أممهم إلى الإسلام ويوصون بنيهم وذرّيّتهم بالإسلام والتقوى في الدين وجميع الأنبياء يصدّق بعضهم بعضا وليس بينهم اختلاف وإنّما الاختلاف بين علماء البشريّة فإنّ العلوم البشريّة مثار التنازع والاختلاف ، إذ ليس أفهامهم وعقولهم في محفظة إلهيّة وعصمة ربّانيّة ومتّكئة على ينبوع الوحي والحقيقة فتراهم يكذّب بعضهم بعضا ويسفه بعضهم بعضا على ما هو المحسوس المشاهد ممّن ينتحل العلم والبرهان والمكاشفة .
ويكفيك هذا الكتاب المجيد يهتف بأعلى صوته ويأمر أمّته بالتصديق لما بين يديه من الرسل والاهتداء بهداهم والاتّباع لملّتهم . فتحصّل أنّ الدين عند اللّه الإسلام وقد ارتضاه اللّه لأنبيائه وأصفيائه .
ومن الدين ما هو العلم والإيقان بالأمور والحقائق الثابتة الّتي لا تقبل النسخ والإبطال إلى يوم القيامة وهو العلم المبدأ الأعلى جلّ شأنه وتوحيده ونعوت جلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته . وهذه المعرفة عدم تناهيها بديهي .
ومنه ما يرجع إلى الوظائف الدينيّة الذاتيّة الثابتة بين الخالق والمخلوق من وجوب احترام ذاته والخضوع لكبريائه والاستكانة لعظمته وسلطانه إلى آخر هذا الباب ؛ وهو باب واسع جدّا . ونيل هذا الباب مع ما فيه من معرفة الذات الأحديّة ذو درجات ومراتب على قدر سعة العلم ومعرفة العارفين .
ومنه معرفة المعاد وما يؤول له أمر المحسنين وعاقبة المتّقين وما ينقلب إليه أمر الظالمين والمجرمين . وهذا العلم الشريف ممّا يختص به الأنبياء وأممهم التابعون منهجهم ، السالكون سبيلهم ، المقتفون آثارهم ، المادّون إليهم بصرهم ، وأمّا غيرهم من المنتحلين العلم والعرفان فقد أنكروا غايته حيث إنّ منهم من لم يتمكّن من معرفة المعاد وارتكب تأويله وأنكر كون المعاد أمرا جسمانيّا وزمانيّا ومكانيّا . والعجب أنّ هذا البعض منهم مع عجزه عن نيل دعوة الأنبياء والحرمان عن العلم بالمعاد وحقيقته قد ارتكب ما هو موجب لفضيحته وهو مخالفة الأنبياء .