وجب عليهم الاعتراف بنبوّة هذا الشخص الّذي هو مطلوب إبراهيم عليه السّلام .
أقول : لا يخفى على الباحث الخبير أنّ هذا التوجيه لا ينطبق على سنّة القرآن في إقامة حججه وتنظيم براهينه في قبال خصومه ، وأنّ قامه أعلى وأجلّ من ذلك كيف وهو غنيّ بذاته عن الاستمداد بغيره وهو المهيمن على جميع الكتب والشاهد والرقيب عليها قال تعالى :
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » .
[ المائدة ( 5 ) / 48 ]
وفي الصحيفة المباركة السجاديّة في دعائه عليه السّلام عند ختم القرآن / 42 قال :
اللّهمّ إنّك أعنتني على ختم كتابك الّذي أنزلته نورا وجعلته مهيمنا على كل كتاب أنزلته وفضّلته على كل حديث قصصته .
وهو الدليل والمصدّق على جميع الأنبياء فإنّه معجز بذاته لذاته ولا تنال أيدي المبطلين والمحرّفين بعرى عصمته ، فإنّه كما أنّه معجز بذاته وبرهان نوري على ذاته كذلك برهان وحجّة إلهيّة على نبوّة الأنبياء ورفعة شأنهم وعصمة أنفسهم ، وليس في الكتب السماويّة معجزا ودليلا وبرهانا ذاتيّا سواه ولا دليل لنا فعلا على حقّانيّة دين ونبيّ سواه . فالصحيح من الأديان ما أثبته القرآن وصدّقه والباطل منها ما أبطله القرآن وكذّبه . على أنّ تصديق القرآن لملّة إبراهيم والدعوة إليها ليس مختصّا بها بل هذه سنّة القرآن بالنسبة إلى جميع الأنبياء المتقين والأولياء المخلصين وقد أشرنا غير مرّة إلى هذه العناية الإلهيّة من تقديسه تعالى أولياءه الطاهرين قال تعالى :
« أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ . أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . . . » .
[ الأنعام ( 6 ) / 89 - 90 ]
لا يقال : إنّ الملّة الّتي يدعو إليها القرآن وهي ملّة إبراهيم إذا كان المراد منها هو الّدين والشريعة فكيف تكون شريعة محمد صلّى اللّه عليه وآله ناسخة لما كان قبلها من الشرائع والأديان كما هو المعروف المتسالم عند الناس .
قلت : ليس معنى ناسخيّة شرع محمّد صلّى اللّه عليه وآله لما قبله من الأديان