عموم أو إطلاق فلا بدّ أن يؤخذ بهذا العموم والإطلاق وتسرية الحكم إلى جميع الأنواع المندرجة في العام وإلى جميع الأفراد المندرجة تحت الأنواع كما في القضايا الحقيقيّة ، ضرورة أنّ الحكم فيها ألقي على الموضوعات المفروض وجودها ولا يصير الحكم فعليّا بفعليّة موضوعة المفروض .
وحيث إن الحكم ألقي على تلك الأنواع في عرض سواء فلا محالة يسري الحكم ويشمل ويعمّ جميع الأنواع في عرض واحد سواء ، من غير فرق بين فرد وفرد من أفراد الموضوع ، فوجوب الحجّ مثلا إنّما ألقي على الإنسان المستطيع فيشمل جميع أنواعه من العرب والعجم والأبيض والأسود وهكذا . وهل يجوز أن يقال بالفرق من حيث شمول الحكم وسريانه إلى تلك الأنواع وأفرادها ؟ ! وكذلك حرمان الظالم من مثل العهد إنّما ألقي على الظالمين فبالضرورة يشمل جميع أنواع الظالم بالكفر الدائم والظالم بالشرك الدائم والظالم الموقت بالكفر أو الشرك قبل إسلامه أو بعد إسلامه ، والظالم بالكبيرة مصرّا عليه أو تائبا ، والظالم بالصغيرة قبل توبته وبعد توبته ، بداهة أنّ من يرتكب المعصية الصغيرة قسيم خاص من الظالم في مقابل الظالم بالكفر الدائم .
فالقول بخروج الظالم بالصغيرة التائب منها قول بلا دليل واقتراح محض إلّا بالتخصيص بدليل متّصل أو منفصل آخر .
وأمّا إذا لم يكن الوصف في الموضوع منوّعا إيّاه أو لا يكون للموضوع أنواع كما في القضايا الشخصيّة الخارجيّة مثل قولنا أعط من في الدار مصليّا دينارا وليس في الدار إلّا فرد واحد أو أفراد معدودين وليس للفرد أو الأفراد إلّا حالة واحدة فلا محالة ينتفي الحكم بانتفاء الوصف .
فتبيّن أنّ ما ذكره الجصّاص والرّازي غفلة وخلط بين القضايا الحقيقيّة والخارجيّة وأمّا ما تشبّث به في النقض من قوله تعالى :
« وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا »
وفيه أنّه قال في مجمع البيان 5 / 199 : إنّ الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبّة والانصات إليه ونقيضه النفور عنه .
فالركون إلى الظالمين حرام باستقلال من العقل ؛ والنهي إرشاد وتذكرة إلى ما يدركه الإنسان بعقله والأمر والنهي الإرشادي لا إطلاق فيهما ولا تقييد وإنّما يدوران مدار الأمر المرشد إليه .