تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
الظلم أمّا التائب فهذه السمة زائلة عنه فزال الحكم المتعلق بهذه السمة بزوالها . ألا ترى أنّ قوله تعالى :
« وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا »
[ هود ( 11 ) / 113 ] نهى عن الركون إليهم ما داموا مقيمين عليه ، وقوله تعالى :
« ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ »
[ التوبة ( 9 ) / 91 ] نفى السبيل عنهم ما داموا على الاحسان . وألا ترى أنّه لا يشمل الكافر من تاب عن كفره ولا يسمّى من تاب عن فسقه فاسقا فقوله :
« لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه لأنّه في هذه الحالة لا يسمّى ظالما كما لا يسمّى من تاب من الكفر كافر ومن تاب من الفسق فاسق . وقريب منه عبارة الرازي في تفسيره 4 / 41 . أقول : ويرد عليه أنّ ما ذكره من دوران الحكم حول السمة المأخوذة في الموضوع فيزول الحكم بزوال السمة ، غير تامّ على إطلاقه فمن الجائز أن تكون السمة المأخوذة في موضوع الحكم مأخوذة من حيث حدوث الحكم فقط من غير اشتراط بقاء الحكم ببقائها . توضيح ذلك : إنّ أخذ الصفة في موضوع الحكم يتصوّر بحسب الواقع ونفس الأمر على نحوين : أحدهما أن تكون مأخوذة من حيث حدوث الحكم وبقائه مثل في الغنم السائمة زكاة . وثانيهما أن تكون الصفة مأخوذة من حيث حدوث الحكم فقط ، ومن هذا القبيل قوله تعالى :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما »
[ المائدة ( 5 ) / 38 ] و
« الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ »
[ النور ( 24 ) / 2 ] و
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ . . . »
[ النساء ( 4 ) / 23 ] و
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »
[ آل عمران / ( 3 ) / 97 ] . فإنّ الحكم المعلّق على الصفة في هذه الآيات لا يزول بزوال الصفة بضرورة من الفقه . وبديهيّ أنّ الصفة في موضوع تلك الأحكام إنّما أخذت من حيث الحدوث فقط ، فالمتّبع في هذا الباب وكيفيّة أخذ الصفة في موضوع الحكم هو لسان الدليل والجصّاص وغيره خرجوا عن مسير البحث الفقهي والتفسيري وتشبّثوا بأمثلة جزئيّة في النقض والإبرام وهذا لا يجسم مادّة النزاع ؛ والّذي يليق بطور البحث هو أن يقال : إنّ الوصف المأخوذ في موضوع الحكم إن كان منوّعا للموضوع وكان هناك