الظاهر من لفظ « العهد » في الآية الكريمة - بل هو كالصريح - أنّ المراد منه هي الإمامة الّتي سألها إبراهيم عليه السّلام أن يجعلها تعالى لذرّيّته كما جعلها له في قوله تعالى :
« إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً » .
ولفظ العهد وإن كثرت موارد استعماله لعنايات مختلفة إلّا أنّ الغالب فيه أنّ العهد ممّا يجب الوفاء به ويحرم نقضه ونكثه ، قال تعالى :
« وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ »
[ البقرة ( 2 ) / 40 ]
وفي تفسير هذه الآية روايات شاهدة لما ذكرنا ، فعلى هذا يجب على النّاس التسليم والطاعة للّه تعالى في جعله الإمامة لإبراهيم وذرّيّته كما أنّه يجب الطاعة والتسليم تعالى مطلقا سواء كان أمرا وضعيّا أو أمرا تكليفيّا فالأوّل مثل إعطاء الأمر والنهي ، والثاني مثل افتراض الطاعة .
وقوله تعالى :
« الظَّالِمِينَ »
قد حكم وقضى سبحانه - ولا يحكم ولا يقضي إلّا حقّا وقسطا - أن يكون محل هذا العهد ومقرّه مطهّرا ومنزّها عن دنس الظلم ومعصوما بعصمة إلهيّة . والظلم هو التعدّي عن الحدّ والتجاوز إلى حقّ الغير سواء كان بالقهر والغلبة على من دونه أو بمعصية من كان فوقه ممّن يجب امتثال أمره ونهيه فيشمل الكفر والشرك والمعاصي الكبيرة والصغيرة ، سواء كان في حقّه تعالى أو في حقّ الناس . وفسّره في القاموس أنّه وضع الشيء في غير موضعه وهو منطبق على ما ذكرناه .
و « الظالمين » جمع محلّى بالألف واللّام الدّالة على الاستغراق والعموم وحيث إنّ القضيّة حقيقيّة والعموم والإطلاق فيها يكونان من حيث الأنواع والأفراد كما أنّ التخصيص والتقييد فيها أيضا يكونان من حيث الأنواع فلا محالة يشمل ويستغرق « الظالمين » جميع أنواع الظالمين في عرض سواء : الكفر والشرك والمعاصي كبائرها وصغائرها ؛ وسواء كان ظالما دائما ومقيما عليه أو موقّتا قبل إسلامه وقبل توبته فإنّ كلّ واحد من الأنواع موضوع مستقلّ برأسه في حرمان الظالم عن نيل العهد الإلهي إلّا أن يرد عليه مخصّص متصل أو منفصل بالنسبة إلى بعض الأنواع .
قال الجصاص في كتابه أحكام القرآن 1 / 88 ما خلاصته : احتجّ الرافضة بقوله تعالى :
« لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
على ردّ إمامة أبي بكر وعمر بأنّهما كانا ظالمين حين كانا مشركين في الجاهليّة . وهذا جهل مفرط لأنّ هذه السمة تلحق من كان مقيما على