يقال : إنّ « من » بمعنى « في » والمعنى : واجعل في ذرّيتي إماما . وعند التحليل يكون المعنى واجعل الإمامة في ذرّيتي . وعلى كلا الوجهين تفيد الآية الكريمة أنّ الإمامة لا تحصل لأحد إلّا بجعله تعالى كما أسلفنا الكلام في ذلك في قوله تعالى :
« إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً »
.
وهذا الدعاء منه عليه السّلام موافق لما هو المعلوم والمشهود من سنّته تعالى أن يجعل في كلّ قوم شهيدا عليهم من أنفسهم وأن يبعث في كلّ قوم نذيرا وهاديا ، ولم يعرف سنّته تعالى أن يجعل القوم كلّهم أنبياء وأئمّة يستغني بعضهم عن بعض فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم .
في البحار 25 / 141 ، عن البصائر ، عن محمد بن عبد الجبار مسندا عن عبد الحميد بن نصر قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :
ينكرون الإمام المفترض الطاعة ويجحدون به ، واللّه ما في الأرض منزلة أعظم عند اللّه من مفترض الطاعة فقد كان إبراهيم دهرا ينزل عليه الأمر من اللّه وما كان مفترض الطاعة حتّى بدا للّه أن يكرمه ويعظّمه فقال :
« إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً »
فعرف إبراهيم ما فيها من الفضل فقال :
« وَمِنْ ذُرِّيَّتِي »
فقال :
« لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : أي : إنّما هي في ذرّيّتك لا يكون في غيرهم .
أقول : قوله عليه السّلام : « أي : واجعل ذلك في ذرّيّتي » يظهر منه أنّه فسّر « من » بمعنى « في » لا أن يكون ذلك قراءته عليه السّلام . فدعا إبراهيم عليه السّلام أن يجعل اللّه تعالى الإمامة في ذرّيّته الطاهرة وأن لا يخرج الإمامة من بيته إلى غيره فأكرمه اللّه سبحانه بإجابة دعوته وقضاء حاجته فقرّر الإمامة في ذرّيّته وفي بيته الرفيع يرثها بعضهم عن بعض قرنا بعد قرون حتّى ورّثها اللّه أشرف ذرّيّته خاتم النبيّين وإمام الأئمّة الموحدين فقلّدها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعليّا وذرّيّته المصطفين يرثها كابر وصالح بعد صالح حتّى أورثها اللّه تعالى خاتم الأئمّة ومنقذ الأمّة وغاية النور .
وقد حكى اللّه تعالى عنه عليه السّلام في القرآن الكريم الدعاء لذرّيّته في مواقف شتّى قال تعالى :