أمّا أئمّة الهدى فيقدّمون أمر اللّه قبل أمرهم وحكم اللّه قبل حكمهم وأمّا أئمّة الضلال فإنّهم يقدّمون أمرهم قبل أمر اللّه وحكمهم قبل حكم اللّه اتّباعا لأهوائهم وخلافا لما في الكتاب .
4 - إنّ سنّته تعالى الحميدة في اصطفائه عبدا من عباده بمقام السفارة ليست على سبيل المجازفة فمن المستحيل أن يصطفي بكرامة النبوّة والرسالة رجلا جافيا ينام رذلا جلفا وأصبح قد صار نبيّا ورسولا ذا مكانة عنده تعالى وذا كرامة عليه سبحانه بل المعلوم من سنّته الحكيمة في من أراد اصطفاءه بفضيلة النبوّة والرسالة أن يراعيه بعين رعايته وعنايته ويسلكه في مسالك العبوديّة شيئا فشيئا فلا يزال يؤيّده ويسدده ويؤدّبه أدب الأبرار ، ويربّيه الأحرار الأخيار حتّى يستكمل قدمه في صراط العبوديّة ويثبتها ويطمئنّ قلبه ويشرح صدره حتّى يصير أهلا بأن يرتبط بعالم الغيب وعالم الآخرة ويعرف ما هنالك ويستأهل لتلقّي العلوم والأحكام وحملها وبلاغها .
فإذا شرّفه اللّه تعالى بموهبة النبوّة فلا محالة يتعبّده بأنواع من التعبّد ويختبره بأنحاء من الشدائد حتّى صار ذا قوّة بحمل أثقالها وحمل العلوم والمعارف المناسبة لذلك الموقف الخطير والعمل بوظائفها والصبر على مشاقّها .
وكذلك بعد نيله مقام الرسالة فيقوم بوظائفها من الجدّ الأكيد في العمل بما يوجب عليه من التكاليف والوفاء الصادق فيما يستقبله من العهود والمواثيق وإتمام ما يبتلى به من الكلمات فقد حان الحين أن تشمله العناية الإلهيّة الأخرى أن يكرمه بموهبة عظيمة ويتفضّل عليه بمثوبة كريمة ويشرّفه بقوله :
« إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً »
يرفع به ذكره ذكرا باقيا وثناء خالدا فإنّه سبحانه وفيّ شكور لا يضيع لديه أجر المحسنين ولا يجعل المتقين كالفجّار .
وفي الروايات المأثورة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام تذكرة وإرشاد إلى هذه السنّة الإلهيّة وإلى هذه الحقيقة القرآنيّة .
في الكافي 1 / 199 ، عن أبي محمد القاسم بن العلاء رفعه عبد العزيز بن مسلم قال : كنّا مع الرضا عليه السّلام بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيّدي عليه السّلام فأعلمته خوض الناس فيه ، فتبسّم عليه السّلام ثم قال :