تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
الامام المذكور في الآية هو الرسول والنبي اللّذين يجب الاقتداء بهما . قلت : قد توهّم الرازي ذلك في تفسيره وذكر وجوها ضعيفة لاثباته وقد أعرضنا عن إيرادها . وهذا القول واضح الفساد ضرورة أنّ وجوب اتّباع الرسول والنبيّ فيما يتلقّيانه عن اللّه سبحانه من مصاديق الامتثال لأمره تعالى وبديهي أنّ امتثال أمره تعالى واجب باستقلال وضرورة من العقل وجوبا ذاتيّا لا تناله يد الجعل المولوي ، فلا يعقل أن يكون مجعولا تشريعيّا . وعلى هذا يكون وجوب الائتمام بالرسول والنّبي وجوبا طريقيّا إلى امتثال أمره تعالى ويكون الائتمام بهما واجبا بعين وجوب امتثال أمر اللّه فلا يصحّ أنّ يقال : إنّ وجوب اتّباع الرسول والنّبيّ فيما يتلقّيانه عن اللّه في المعارف والعقائد والأحكام مجعول بالجعل المولوي ولا يجوز أن يقال : إن الإمامة المجعولة في الآية الكريمة عبارة عن جعل الرسول والنبيّ باعتبار وجوب طاعتهما تشريعا ، ولا يجوز الالتزام بترادف الإمام مع الرسول والنبي باعتبار وجوب طاعتهما بوجوب طاعته تعالى . فالّذي ينبغي أن يقال هو أنّ الإمام من تجب طاعته والاقتداء به في الدين بالوجوب الموضوعي لا بالوجوب الطريقي فإنّ الوجوب الطريقي هو عين وجوب طاعته تعالى وقد ذكرنا أنّه لا يحتاج إلى جعل جاعل بخلاف الوجوب الموضوعي ، فإنّه لا يتحقّق ولا يوجد بوجه إلّا بجعله وحده لا شريك له لأنّ اللّه سبحانه كما أنّ له ولاية التكوين والإيجاد كذلك له سبحانه ولاية التصرّف في كلّ ما سواه بكلّ أنحائه ومنها ولاية التشريع والتقنين والأمر والنهي والقبض والبسط ، إذ كلّ ما سواه مملوك له تعالى وله الطاعة المفترضة بالذات على جميع من سواه ؛ ولا طاعة لأحد على أحد بوجه من الوجوه لأنهم كلّهم مملوكون له تعالى في عرض سواء . ولا يجوز تصرّف أحد من شأن أحد لعدم أولويّة أحد على أحد . فمن وثب على رقاب الناس وملك أمورهم وحكم فيهم بما شاء وأراد فإنّما يتصرّف في سلطان الربّ تعالى ، ولا يسوّغ ذلك رضاء الناس ، ولا يصحّحه بوجه أبدا لأنّ ذلك حقّ طلق له تعالى فلا بدّ في ذلك من إذنه تعالى وأمره ، فمن افترض اللّه طاعته على الناس فقد جعله إماما عليهم يجب طاعته واتّباع سنّته وسيرته فيما سنّ من السنن الحكيمة بأمر اللّه وإذنه بالوجوب الموضوعي كما أنّه يجب اتّباعه فيما جاء به
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 344 | محمد باقر الملكي الميانجي