قال الرازي في تفسير المقام : « لمّا وعده تعالى أن يجعله إماما للناس حقّق اللّه تعالى ذلك الوعد فيه إلى مقام الساعة فإنّ أهل الأديان مع شدّة اختلافها ونهاية تنافيها يعظّمون إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام ويتشرّفون بالانتساب إليه إمّا في النسب أو في الدين والشريعة حتّى أنّ عبدة الأوثان كانوا معظّمين لإبراهيم عليه السّلام » .
أقول : هذا الوجه في نهاية الوهن والسقوط فإنّ الآية الكريمة في سياق التقدير لإبراهيم وإعطاء الإمامة إيّاه عليه السّلام تشريفا وتكريما في مرحلة الثواب لإتمام الكلمات . ولا شاهد في المقام أنّ ذلك وعد لإبراهيم سيحقّقه تعالى ويجعله إماما إلى قيام الساعة . ولا ندري أيّ مناسبة بين إبراهيم وبين الوثنيين وبين اليهود والنصارى القائلين بأنّ عزير ابن اللّه والمسيح ابن اللّه ، والحال أنّه تعالى يقول :
« إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ »
[ آل عمران ( 3 ) / 68 ]
فتحصّل في المقام أنّ مورد الاتّباع والائتمام بإبراهيم الإمام هي السنن الّتي سنّها إبراهيم عليه السّلام وأمر بها ونهى عنها بأمر اللّه تعالى وبإذنه بالإمامة الّتي أعطاها وكذلك فيما يفعل ويحكم ويأتي ويترك في الشؤون الاجتماعيّة من القبض والبسط في أمور العباد ؛ والطريق في إثبات ذلك السنن والأحكام هي الأدلّة الشرعيّة أي : القرآن الكريم والروايات المعتبرة المأثورة عن النّبي صلّى اللّه عليه وآله وعن آله الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام .
قوله تعالى :
« إِماماً »
قال في لسان العرب 12 / 24 : ابن سيّده : والإمام ما ائتمّ به من رئيس وغيره والجمع أئمّة .
وقال في القاموس 3 / 78 : الإمام ما يؤتمّ به وغيره .
أقول : قوله تعالى
« إِماماً »
مفعول ثان لقوله تعالى
« جاعِلُكَ »
والظاهر أنّه مصدر من أمّ يؤمّ بمعنى المأموم مثل الإله بمعنى المألوه فيه .
قال في رياض السالكين / 476 : الإمام بمعنى المأموم كما نصّ عليه الجوهري .
وقال الرازي في تفسيره 4 / 39 : الإمام اسم من يؤتمّ به كالإزار اسم لما يؤتزر