تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
تنسخ وأمّا بالنسبة إلى غير هذه الموارد فلا يصدق الاتّباع والائتمام فيها سواء كانت من المعارف والأصول أو غيرها من الأحكام . توضيح ذلك : إنّ من عرف اللّه ربّه بحقيقة إيمانه وعرف توحيده سبحانه ونعوته وكمالاته ومعاني أسمائه يجب عليه بضرورة من عقله وعلمه ، الإيمان والتصديق بما عرف وعلم . وكذلك باب المستقلّات العقليّة في الأحكام وباب مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ومساويها على عرضها العريض فإنّ كل ذلك معلوم بضرورة العقول وقد تمّت الحجّة الإلهيّة فيها على ذوي العقول فلا محصّل للاتّباع والائتمام في تلك الأمور فيبقى مورد الإمامة والائتمام في الأحكام المولويّة الموروثة عن إبراهيم وعن غيره من الأنبياء الأئمّة عليهم السّلام الّتي لم تنسخ بعد ؛ وما من شك في أن تلك الأحكام منسوخة فالظاهر أنّها تستصحب كما هو المقرّر في محلّه . ولا يخفى أيضا أنّه لا يصحّ الاستدلال على عموم إمامة إبراهيم عليه السّلام بقوله تعالى :
« ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً »
[ النحل ( 16 ) / 123 ] . وقوله تعالى :
« وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً »
[ النساء ( 4 ) / 125 ] ، ونظائرهما من الآيات ، لأنّا ذكرنا شرحا شافيا فيما تقدّم أنّ تلك الآيات في سياق الدعوة والإرشاد ، التذكير بالدين الخالص عن الشرك ، وإلى وجوب الإيمان بالتوحيد ، وفي سياق الترغيب والتشويق ، وفي تثبيت من آمن واتّبع صراط التوحيد ، وفي بيان أنّ على النّاس أسوة حسنة في إبراهيم عليه السّلام ، وأنّ أولى النّاس بإبراهيم للّذين اتبعوه ولا دلالة في هذه الآيات للاتّباع المولوي التشريعي . وفي هذه الآيات دلالات وإشارات على أنّ لإبراهيم مواقف كريمة ومجاهدات كثيرة في القيام بأمر التوحيد . فإن قلت : فأيّ مانع من الأخذ بإطلاق هذه الآيات في وجوب الاتباع في غير مورد التوحيد وفي امتثال الأحكام التشريعيّة أيضا . قلت : الأوامر الارشاديّة لا إطلاق فيها ولا تقييد وإنّما تدور مدار الأمر المرشد إليه سعة وضيقا ، هذا أوّلا : وثانيا لا يمكن القول بسريان الأمر الإرشادي إلى موارد الأمر المولوي وكذلك بالعكس . وسيأتي مزيد توضيح لذلك في طيّ الأبحاث إن شاء اللّه .