العادي غير الرسول والإمام قد سنّ من عند نفسه خصالا وعمل بها فجعله تعالى بامتثالها رسولا إماما بداهة أنّه ليس له حقّ التشريع والتقنين فضلا عن أن يكون هذا التشريع والعمل به وسيلة إلى نيله بالرسالة والإمامة .
3 - إن كان المراد من الخصال الّتي سنّها إبراهيم عليه السّلام أي : سنها تعالى وأمر بإتيانها في مرتبة الرسالة والنبوّة فأتمّها إبراهيم وصار بها مستحقا لمقام الإمامة .
فيرد عليه أنّ الخصال المذكورة تخرج عن عهدة امتثالها أضعف المؤمنين فكيف يصح أن يقال : إنّ اللّه تعالى اختبر أعظم نبيّ من أنبيائه بها فجعله بامتثالها إماما للناس .
قوله تعالى :
« فَأَتَمَّهُنَّ » .
المناسب للسياق أنّ فاعل « أتمّ » هو اللّه سبحانه . ومعنى إتمامه تعالى الكلمات في شأن إبراهيم عليه السّلام ، أنّه بعد ابتلائه بالكلمات قام بها قيام المخلصين وجدّ واجتهد في امتثالها اجتهاد العابدين ووفى بعهده تعالى وابتغى مرضاته بأتمّ ما يمكن وأكمل ما يكون ؛ وحيث إنّه كان تحت حمايته تعالى ومستظلّا في ظلّ عناياته وولايته وعصمته ، نسب الإتمام إلى نفسه القدّوس بعناية المساعدة الكاملة والتأييد في حقّه .
وفي هذا التعبير غاية التشريف لإبراهيم عليه السّلام كما في قوله تعالى :
« وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
[ الأنفال ( 8 ) / 17 ] وفيه إشعار لإبراز التشكّر والتقدير لوفائه وإخلاصه عليه السّلام . ويمكن أن يكون الضمير عائدا إلى إبراهيم على خلاف السياق .
قوله تعالى :
« إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً » .
تنقيح البحث في المقام يحتاج إلى تحرير أمور :
1 - لا يخفى أنّ هذه الجملة وهذا القول منه تعالى متفرّع ومترتّب على إتمامه تعالى الكلمات ووفاء إبراهيم عليه السّلام وخروجه من عهدتها وقد شكر اللّه سبحانه سعي إبراهيم عليه السّلام وتقبّل منه قبولا حسنا وأعطى له مثوبة كريمة وجعله إماما وجعل الإمامة له ذكرا باقيا وثناء خالدا بخلود القرآن الكريم وأهله ، يقرع به أسماع الجنّ والإنس وأسماع المقرّبين من أولياء محمد وآله الطاهرين عليهم السّلام فإنّهم يقرؤون هذه الآية آناء اللّيل والنهار . وهذه سنّته تعالى الحميدة في هذا الكتاب الكريم