تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
قال في كنز العرفان 1 / 55 : « إنّ المراد بالكلمات هي الخصال العشر الّتي سنّها إبراهيم عليه السّلام : خمس في الرأس وخمس في البدن ، أمّا الرأس فالمضمضة والاستنشاق والفرق وقصّ الشارب والسواك . وأمّا البدن فالختان وحلق العانة وتقليم الأظفار ونتف الإبطين والاستنجاء بالماء وإذا كانت هذه من شريعة إبراهيم كانت أيضا من شريعة نبيّنا ( ص ) لقوله تعالى :
« وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً »
[ النساء ( 4 ) / 125 ] ولقوله تعالى :
« مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ »
[ الحج ( 22 ) / 78 ] . وقريب منه عبارة الأردبيلي في زبدة البيان / 44 ، وعبارة الجزائري في قلائد الدرر 1 / 73 . أقول : هذا القول ضعيف من وجوه : 1 - إنّ الآيتين لا دلالة فيهما على شيء من المدّعى ، أمّا الآية الأولى وهي قوله تعالى :
« وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا »
[ النساء ( 4 ) / 125 ] . فالآية الكريمة كما ترى مسوقة في مقام التذكّر إلى وجوب الإيمان بالتوحيد والتسليم المحض وإسلام الوجه بكلّيّته للّه سبحانه اقتداء واتباعا لملّة إبراهيم فإنّه قد كان - عليه السّلام - ممن أسلم وجهه للّه سبحانه قال تعالى :
« وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » .
[ البقرة ( 2 ) / 130 - 131 ] فهذه الآية الكريمة في مقام الثناء على إبراهيم عليه السّلام والتقدير والتشكّر له وصريحة في أنّه أسلم للّه وانقطع إلى جنابه جلّ ثناؤه وهذا الموقف الخطير من أجلّ مواقفه ولم يطأ هذا الموقف أحد إلّا قليل من المقرّبين وقد دخل حريم القرب وجلس مجلس الأنس ، وقد كان عليه السّلام مراقبا ومحافظا لأدب الحضور حيث كلّمه ربّه تعالى بقوله : « أسلم » وقال في الجواب :
« أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ »
مراعيا لجلاله تعالى وكبريائه ولم يرسل نفسه ولم يقل : أسلمت لك ونظائرها من الأجوبة . فاتّضح ممّا ذكرنا أنّ قوله تعالى :
« وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً »
عطف تفسيريّ لقوله تعالى :
« أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ »
وأجنبيّ عمّا قالوا من أنّ الاتّباع إنّما هو في أمثال
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 336 | محمد باقر الملكي الميانجي