- بالكسر - .
أقول : ليس غرضه تعالى من الامتحان الاستطلاع على سرائر عباده واستكشاف ما في بواطنهم لاستحالة ذلك في حقّه تعالى فإنّه لا يخفى عليه نجيّات الصدور وسرائر القلوب بل المراد منه هي العناية الخاصّة والاهتمام الأكيد منه جلّ ثناؤه من سنّته الحكيمة الحميدة في تربية أوليائه وتكميل أحبائه .
وفي معاني الأخبار / 126 ، عن علي بن أحمد بن محمد مسندا عن المفضّل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السّلام قال : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ :
« وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ »
فتاب بكلمات ما هذه الكلمات ؟ قال :
. . . والابتلاء على ضربين : أحدهما مستحيل على اللّه تعالى ذكره والآخرة جائز ، أمّا ما يستحيل فهو أن يختبرة ليعلم ما تكشف الأيّام عنه وهذا ما لا يصلح لأنّه عزّ وجلّ علّام الغيوب ، والضرب الآخر من الابتلاء أن يبتليه حتّى يصبر فيما يبتليه به فيكون ما يعطيه من العطاء على سبيل الاستحقاق .
قوله تعالى :
« بِكَلِماتٍ » .
بيان : هذه الكلمات من كبار التكاليف وعظام الأمور وأشرف المواهب وأعظم العطايا ضرورة أنّ ظرف هذا الابتلاء وموقفه ومورده بعد تشرّف إبراهيم بمقام النبوّة والرسالة وبعد تحلّيه بلباس الاصطفاء والخلّة ؛ وقد تأدّب بأدب العبوديّة وحصلت له الطمأنينة والسكينة الإلهيّة ، وقد تمكّن من حمل أثقال النبوّة والرسالة وقد حان الحين أن يعرج إلى سماء الإمامة الرفيعة ويتّكئ على كرسيّ الكرامة . وليس المراد من الكلمات هي الخصال العشرة الّتي سنّها إبراهيم عليه السّلام قبل رسالته ونبوّته كي يكون بإتيانها مستحقّا ونائلا مقام الرسالة والنبوّة أو امتحن بها في مرتبة الرسالة والنبوّة فصار بامتثالها نائلا مقام الإمامة على ما سيجيء الكلام في ذلك في معنى الإمام المذكور في الآية الكريمة .
وواضح أنّ المراد من الكلمات ليس ما هو المصطلح عند الناس من جنس القول واللّفظ ، بل المراد منها أو من بعضها هي الأمور العينيّة سواء كانت من الموجودات الخارجيّة أو حكما إلزاميّا أو عهدا أو ميثاقا أو بلاء ومحنة وشدّة وعزيمة .