تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
قوله تعالى :
« قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » .
( 118 ) فإنّ العلماء الراسخين ، وأهل التقوى واليقين ، وأهل الفكر والمعرفة لا يرتابون في آيات اللّه الكونيّة والآيات المنزلة على رسوله بل إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وترى أعينهم تفيض من الدمع ممّا عرفوا من الحق . لا يقال : إنّ اليقين لا بدّ أن يكون حاصلا من القرآن فلو كان القرآن مواجها للموقنين بآياته يلزم الدور . لأنّا نقول : قد قدّمنا شطرا شافيا في هذا الباب في قوله تعالى :
« ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
فإنّ القرآن هو الهادي السائق المكمّل فالقرآن ليس خطابا للكافرين فقط ووقفا خاصّا لهم بل هو حجّة على المبطل وبرهان على المنكر وهداية للمنيب الخاشع الخائف ، وريّ لعطش العلماء وربيع لقلوب الفقهاء وشفاء للمؤمنين وخسار للظالمين ودواء لداء الغيّ والضلال والجهالة ، وتبيان من العمى وبصيرة وبصائر وإرشاد للمتعلم وتذكرة للغافل ، وغير ذلك من أوصافه الّتي ذكرت في روايات أئمّة أهل البيت عليهم السّلام . فلا محصّل لتأويل الآية المبحوثة عنها بالكفّار الّذين فيهم استعداد اليقين وتنظيم البراهين والخلوص من الهوى والانحراف وبين أهل اليقين وبين الكافر المنصف مراحل واليقين فوق التقوى بدرجات كما هو صريح كثير من الروايات . قوله تعالى :
« إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ » .
( 119 ) البشارة للمؤمنين والإنذار للمسيئين فضل من اللّه وتأييد وتشويق لأهل الإحسان وهما من وظائف النبوّة ومناصبها ، وبإذن اللّه وأمره حقّ على الفقيه في الدين ، العالم لعلوم المبدأ والمعاد ولما يحبّه ويبغضه تعالى من أفعال العباد . قال تعالى :
« فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » .
[ التوبة ( 9 ) / 122 ] وفي الآية الكريمة تسلية للنّبي صلّى اللّه عليه وآله وتقدير لما بلّغ من رسالات ربّه ولما نصح لأمّته وبذل غاية جهده في إنفاذ أمره تعالى وتحكيم دينه ، وما على المحسنين من سبيل وسؤال وليس هو صلّى اللّه عليه وآله مسؤولا من قبل أصحاب