تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
قال : فما الّذي دعاكم إلى القول بأنّ عزيرا ابن اللّه ؟ قالوا : لأنّه أحيى لبني إسرائيل التوراة بعدما ذهبت ولم يفعل بها هذا إلّا لأنّه ابنه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : فكيف صار عزيز ابن اللّه دون موسى وهو الّذي جاءهم بالتوراة ؟ ! ورئي منه من المعجزات ما قد علمتم . ولئن كان عزير ابن اللّه لما ظهر من إكرامه بإحياء التوراة فلقد كان موسى بالبنوّة أولى وأحقّ ؛ ولئن كان هذا المقدار من إكرامه لعزيز يوجب له أنّه ابنه فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب له منزلة أجلّ من البنوّة ، لأنّكم إن كنتم إنّما تريدون بالبنوّة الدلالة على سبيل ما تشاهدونه في دنياكم من ولادة الأمّهات الأولاد بوطء آبائهم لهنّ فقد كفرتم باللّه وشبّهتموه بخلقه وأوجبتم فيه صفات المحدثين ، فوجب عندكم أن يكون محدثا مخلوقا وأن يكون له خالق صنعه وابتدعه . قالوا : لسنا نعني هذا ، فإنّ هذا كفر كما دللت لكنّا نعني أنّه ابنه على معنى الكرامة وإن لم يكن هناك ولادة . . . أقول : أبطل صلّى اللّه عليه وآله وآله كون عزيز ابن اللّه بكلا وجهيه ، فإنّ دعواهم أن المسيح وعزيز ابن اللّه تعالى على وجه الكرامة والقرب منه تعالى بطلانها بديهي نعم هذا صحيح حيث يقول عظيم من عظماء البشر للشخص الأجنبي منه نسبا : هذا ابني ، إكراما له وإبانة لفضله لأنّ المورد ممّا يجوز أن يكون له ولد فينزّل الأجنبي منزلة الحقيقي بخلاف المورد الّذي يستحيل فيه نسبة الأبوّة والبنوّة الحقيقيتين ، فحيث لا حقيقة فلا مجاز . ولا يقاس ذلك باتّخاذ الخليل والحبيب لعدم استحالة نسبة الحبّ والخلّة بين أوليائه سبحانه وبينه تعالى ، بخلاف البنوّة الحقيقيّة فإنّ بطلانها بيّن عند أولي الألباب بل
« لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ »
فما سواه تعالى مملوك له وقائم به ومتقلّب تحت تدبيره وقهره . وأنّى تتحقّق نسبة البنوّة بين من هو مالك وقيّوم بذاته لما سواه وبين ما هو مملوك بذاته له وشيء به ومتقوّم به ، فإنّ نسبة الأبوّة والبنوّة لا تجوز إلّا بين الأمور الّتي تكون في عرض واحد والمورد ليس كذلك ، فإنّ المالك والقيّوم