قوله تعالى :
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
تفريع ممّا تقدّم من مالكيّته للمشرق والمغرب . وقد رخّص تعالى لعباده أن يولّوا وجوههم أينما شاؤوا . وهذا مطلق يقيّده قوله تعالى :
« فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ »
[ البقرة ( 2 ) / 144 ] وهذا في الفرائض ؛ ويكون قوله تعالى :
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ . . . »
بمعنى أينما تولّوا وجوهكم في النوافل فثمّ وجه اللّه .
قال الجصّاص في كتابه أحكام القرآن 1 / 77 : وروى معمّر عن قتادة في قوله تعالى :
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
قال : هي القبلة الأولى ثمّ نسختها الصلاة إلى المسجد الحرام .
وفيه أوّلا : إنّ لازم ذلك القول أنّه صلّى اللّه عليه وآله والمسلمون كانوا قبل كون الكعبة قبلة لهم مخيّرين أينما صلّوا وليست لهم قبلة متعيّنة . وقد ثبت في محله بطلان ذلك وأنّ بيت المقدس كان قبل الكعبة قبلة لهم تعيّنا .
وثانيا : إنّ نسبة هذه الآية المبحوث عنها بالنسبة إلى قوله تعالى :
« فَوَلِّ وَجْهَكَ . . . »
نسبة العام إلى الخاصّ فلا تعارض بين العام والخاصّ حتى نلتزم بالنسخ .
وثالثا : إنّ القول بالنسخ متوقّف على العلم بتقدّم نزول هذه الآية عن قوله تعالى :
« فَوَلِّ وَجْهَكَ . . . »
ولا دليل على ذلك غير أنّ هذه الآية كتبت في المصحف قبل قوله تعالى :
« فَوَلِّ وَجْهَكَ . . . »
وهو لا يعدّ دليلا .
وقال في مجمع البيان 1 / 228 : عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السّلام في قوله تعالى :
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
فإنّ هذه الآية عندنا مخصوصة بالنوافل في حال السفر .
وفي الوسائل 3 / 227 ، مسندا عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال له :
استقبل القبلة بوجهك ولا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول لنبيّه في الفريضة :
« فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ »
و . . .
وفيه أيضا / 242 : محمد بن الحسن في « النهاية » عن الصادق عليه السّلام في