وثالثها : إنّها نزلت في مشركي العرب الّذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسّلام عن الدعاء إلى اللّه بمكّة وألجؤوه إلى الهجرة فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا اللّه في المسجد الحرام .
ورابعها : قال أبو مسلم : المراد منه الّذين صدّوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة علم الحديبيّة واستشهد بقوله تعالى :
« هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ »
[ الفتح ( 48 ) / 25 ] بقوله :
« وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ »
[ الأنفال ( 8 ) / 34 ] .
أقول : ما ذكر من الوجوه والأقوال إنّما هي من المصاديق والموارد الّتي تصدق عليها الآية لا في شأن نزول الآية . على أنّ في ثاني الوجوه ما ذكرنا عن آلاء الرحمن ، وكيف كان فلا إشكال في إفادة الآية الكريمة تحريم التعرّض لعموم المساجد بتخريبها وصدّ الناس عنها والتعرّض لإقامة ذكر اللّه فيها .
قال في كنز العرفان 1 / 105 : « مساجد اللّه » عام في كلّ مسجد لأنّ الجمع المضاف للعموم كما بيّن في أصول الفقه إن قلت : قيل : إنّها نزلت في الروم لما خربوا بيت المقدس وطرحوا الأذى فيه ومنعوا من دخوله وأحرقوا التوراة . وقيل نزلت في المشركين لما منعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من دخول المسجد الحرام عام الحديبيّة .
قلت : قد بيّن في الأصول أيضا أنّ خصوص السبب لا يخصص العام بل الاعتبار بعموم اللّفظ .
وقال في المنار 1 / 432 : ( قال شيخنا ) : سواء كانت الآية في حادثة واقعة أو منتظرة أم كانت وعيدا للّذين لا يحترمون المعابد على الإطلاق هي على كلّ حال ناطقة بوجوب احترام كلّ معبد يذكر فيه اسم اللّه تعالى بالصلاة والتسبيح وبتحريم السعي في خراب المعابد وبالحكم على الّذين يصدّون الناس عنها ويسعون في خرابها أي : هدمها أو تعطيل شعائرها ومنع عبادة اللّه فيها ، بكونهم أظلم الناس كما يستفاد من استفهام الإنكار .
قوله تعالى :
« أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » .
( 114 )