تهديد للمتعرّضين ووعيد لهم من بأس اللّه الشديد ونقمته ، أو تشريع من اللّه سبحانه بالمنع من دخولهم وإدخال الخوف والذلّ عليهم .
ومال إلى الأخير شيخ الطائفة ( قده ) في تبيانه 1 / 420 ، فقال : « وهو الّذي يليق بمذهبنا ويمكن الاستدلال به على أنّ الكفّار لا يجوز أن يمكّنوا من دخول المساجد على كلّ حال ، فأمّا المسجد الحرام خاصّة فإنّ المشركين يمنعون من دخوله ولا يتركون ليدخلوه لحكومة ولا غيرها لأنّ اللّه تعالى قد أمر بمنعهم من دخوله بقوله :
« ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ »
[ التوبة ( 9 ) / 17 ] . . .
وقال الزجّاج : أعلم اللّه أنّ أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلّا خائفا وهو كقوله :
« لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ »
[ التوبة ( 9 ) / 33 ] كأنّه قيل : أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلّا خائفين لإعزاز اللّه الدّين وإظهار المسلمين .
أقول : القول بأنه إخبار عمّا يفعل اللّه بهم من إظهار المسلمين عليهم ضعيف جدّا لأنّ اللّه سبحانه يعظ الكفّار ويذكّرهم أن يخافوا اللّه ولا يرتكبوا ذلك . وهذا ليس من باب التعبّد بل هو تذكار وموعظة لهم عن المحرّمات والمقبّحات العقليّة لو كانوا يعقلون . ويشهد على ذلك ذيل الآية الكريمة أيضا :
« لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » .
قوله تعالى :
« وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ »
أقول : اللّام للملك وكون المشرق والمغرب ملكا للّه تعالى ليس أمرا اعتباريّا مثل الملك الموجود في المجتمعات ، فإنّه إمّا اعتباري محض وكناية عن جواز الانتفاع من العين بحسب العقل والشرع - على ما ذكروه - أو من الأمور الواقعيّة مثل مالكيّة الإنسان لأفعاله من القبض والبسط والفعل والترك ، إلّا أنّ الإنسان لمكان مملوكيّته للّه تعالى من حيث ذاته ومن حيث ما كان واجدا لمواهبه تعالى من الحياة والعلم والقدرة ليس ملكه لذاته بذاته بل هو مالك بالغير بخلاف مالكيّته تعالى للمشرق والمغرب ولجميع ما سواه فإنّ مالكيّته ذاتيّة .
فالآية الكريمة مسوقة لبيان مالكيّته تعالى للمشرق والمغرب تكوينا وأنّ له تعالى الحكم والتصرّف فيهما كيف شاء وأراد بحسب التشريع أيضا .