تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
قلت : الآية الكريمة في سياق الامتنان والحنان على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والاستثناء بالوجه المذكور خلاف صريح السياق . وصريح في تنزيل الأمر منزلة الأمور العادية وتنزيل شخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله منزلة الأشخاص العادية ، بل العناية في هذا الاستثناء هو أنّه سبحانه ليس مغلول اليد وأنّ كرامته تعالى على رسوله كانت قبل مرتبة العطاء أو في مرتبة فعليّة العطاء ليست على نحو الإيجاب عليه تعالى بل هي تفضّل منه تعالى عليه صلّى اللّه عليه وآله . فإن قلت : إنّ أقصى ما تدلّ عليه هذه الآية من عصمته صلّى اللّه عليه وآله عن النسيان إنّما هو بعد نزول سورة الأعلى فلا تشمل قبل نزولها . قلت : كلّا ، إنّ الآية الكريمة ليست في مقام الإخبار عمّا يفعل على رسوله من الكرامة في المستقبل . وليست أيضا في مقام الميعاد له صلّى اللّه عليه وآله من صيانته وعصمته بإفاضته تعالى العلم الّذي عبّر عنه بروح القدس عليه صلّى اللّه عليه وآله وبيان تيسيره لليسرى . وواضح أنّ الأفعال المذكورة في مرحلة الامتنان سواء كانت بلفظ الماضي أو المضارع يراد بها تحقّق الفعل من غير تقييد بالزّمان وجريانه على نحو الاستمرار والدوام ، فالماضي مثل قوله تعالى :
« إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ » .
[ المائدة ( 5 ) / 110 ] والمضارع مثل قوله تعالى :
« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ » .
[ البقرة ( 2 ) / 257 ] و
« إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً » .
[ الأحزاب ( 33 ) / 56 ] وحيث إن الفعل المذكور في مقام الامتنان يراد به تحقّق الفعل فقط من دون عناية إلى الزمان فإذا دخلت عليه السين تفيد تأكيد هذا المعنى . هذا كلّه على قراءة « ننسها » - من باب الإفعال من نسي ينسى - وأمّا على قراءة « ننسئها » بإثبات الهمزة في آخرها ، كما قال في التبيان 1 / 392 : « وقرأ ابن كثير