ظهور الآية وإطلاقها .
ثمّ إنّه لا دليل على أنّ هذا التبديل والتحويل والإتيان بالخير والمثل بدل المنسوخ والمنسيّ مستند إلى المشيئة الأزليّة كي يكون الإتيان بالمثل إظهارا وإبرازا لزوال المنسوخ والمنسيّ وانمحاء بانتهاء أمدها ، لأنّه على هذا لا يكون الإتيان بالناسخ شروعا وابتداء في الناسخ بدل المنسوخ والمنسيّ بل يكون إيجادا لما كان ثابتا في الأزل بالمشيئة الأزليّة فعلى هذا لا يكون النسخ بمعنى التغيير والإزالة والإبطال بل يكون معناه إظهارا لزوال عين أو حكم وكذلك لا يكون هناك إتيان شيء لم يكن ، بل هو إيجاد لما كان ثابتا في الأزل وهذا عين الالتزام بمقالة اليهود .
فإن قلت : إنّ المقطوع من الكتاب والسنّة أنّ الحوادث الجارية في العالم كلّها لا بدّ أن تكون عن تقدير سابق .
قلت : نعم ، لا بدّ في كل حادثة من مشيئة وإرادة وقدر وقضاء سابق إلّا أنّ المقطوع من الكتاب والسنّة أنّ هذه الحقائق كلّها حادثة بالحدوث الحقيقي لم يكن بوجه ثمّ كان ، فالنسخ المسبوق بها لا يكون إلّا حادثا بالحقيقة لأنّه جار عن مشيئة وإرادة وقدر وقضاء حادث مملوك للّه سبحانه بالمالكيّة الذاتيّة ، فيشاء سبحانه من جهة أنّه مالك لمشيئته وهكذا في إرادته وقدره وقضائه .
قوله تعالى :
« أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .
( 106 )
أقول : الاستفهام تقريريّ . وواضح أنّ الجواب إقرار وإثبات أي : نعلم ونشهد على أنّه تعالى على كلّ شيء قدير . وهذه الجملة المباركة في مرحلة التعليل لما تقدّم في صدر الآية من جواز نسخ آية وإذهابها أو تأخيرها عن الوقت المضروب عليها وإتيان آية خير من المنسوخة والمنسيّة أو مثلها . وهذه الجملة تقرير لسعة اقتداره تعالى على التبديل والتحويل بإزالة آية ومحوها وإثبات آية أخرى مكانها .
وفيها احتجاج على إبطال قول اليهود : إنّ الحوادث تجري طبق النظام المقدّر المقضيّ في الأزل وليس المراد إلّا إجراء ما كان مكتوبا في الأزل طبق ما كتب لا يقدر على تحويل شيء ممّا في هذا الكتاب ولا يقدر على كتابة جديدة لم تكتب في الكتاب الأزلي .
قوله تعالى :
« أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
هذا تعليل آخر لما تقدّم في صدر الآية الكريمة من جواز إزالة آية وإثبات آية