تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
أقول : كلّ واحد من المعاني المذكورة قد استعمل فيها لفظ النسخ ولا يهمّنا تحقيق أنّ ذلك بحسب الوضع أو بضرب من العناية . والظاهر أنّ الأصل المأخوذ في الموارد المذكورة هو حيث الإزالة والتغيير والتحويل والتبديل ، فتكون الموارد المذكورة كلّها من المعاني اللّغويّة واتّسع استعمال اللّفظ فيها بالعناية المأخوذة في الموضوع له ، فعلى عهدة الفقيه تعيين المعنى المراد في كلّ واحد من الموارد بحسب القرائن ، قال تعالى :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » .
[ الحجّ ( 22 ) / 52 ] و
« هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » .
[ الجاثية ( 45 ) / 29 ] و
« وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ » .
[ الأعراف ( 7 ) / 154 ] قوله تعالى :
« مِنْ آيَةٍ »
أي : من علامة . والآية مطلقة تشمل كلّ ما يصدق عليه العلامة سواء كانت تشريعيّة أو تكوينية ، فالتشريعيّة مثل الآية الدالّة على حكم من الأحكام فتكون حاكية عن جعله وثبوته والتكوينيّة مثل ما يدلّ على وجود الصانع أو على شيء من نعوته وأسمائه جلّ ثناؤه من الأعيان . ويظهر من آلاء الرحمن / 114 ، أنّ المراد من الآية في المقام هو ما في الكتب الإلهيّة السابقة لإطلاق الآية والآيات عليها في عدّة من آيات القرآن الكريم ، قال تعالى :
« لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ »
[ آل عمران ( 3 ) / 113 ] . وغيرها من الآيات . أقول : إطلاق الآية والآيات على تلك الكتب لا يوجب تقييد الآية بها ولا انحصارها فيها . ولعلّ منشأ هذا أنّه زعم جواز نسخ حكم من أحكام الشرائع السابقة بالقرآن وعدم جواز نسخ شيء من أحكام القرآن بالقرآن . ولا دليل على هذا ، فإنّ الدّين الّذي اختاره وارتضاه سبحانه لأنبيائه وأصفيائه هو الإسلام . قال تعالى :
« لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » .
[ البقرة ( 2 ) / 136 ]