وأبو عمرو « ننسأها » - بفتح النون والسين إثبات الهمزة الساكنة بعد السين - » فمعناها التأخير أي : تأخير الآية المنسوخة عن الوقت المضروب له قليلا أو كثيرا ثمّ إذا شاء نسخه .
قد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الآية الكريمة مطلقة تشمل جميع ما تمسّ عليه يد الخلقة والجعل من الأعيان والآيات التكوينيّة أو الأحكام التشريعيّة المجعولة .
وكذلك مطلقة بالنسبة إلى الآية المنسيّة سواء كانت المنسيّة تكوينيّة أو تشريعيّة .
وقوله تعالى :
« نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها »
جواب للشرط المذكور في صدر الآية ومجزوم بما جزم به الشرط .
قال ابن هشام في المغني 1 / 398 في البحث عن معاني ما : النوع الثاني ، الشرطيّة وهي نوعان : غير زمانيّة ، نحو
« وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ »
[ البقرة ( 2 ) / 197 ] و
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ . . . » .
فالمعنى : نأتي بشيء خير في الحكمة والمصلحة من المنسوخ والمنسيّ أو نأتي بشيء خير من جنس المنسوخ ومن سنخه بناء على تجريد أفعل من التفاضل .
وقوله تعالى :
« أَوْ مِثْلِها »
أي : ما تشابه المنسوخ والمنسيّ ويساويهما في الحكمة والمصلحة .
ولا يخفى أنّ ما ذكرنا من الإطلاق ، إطلاق بدلي . أي : من الآيات ما يجوز ويمكن أن يكون منسوخا أو منسيّا . وهذا الإطلاق في معرض التقييد لأنّ من آياته ، مالا يجري فيه النسخ والنسيان مثل الأحكام الثابتة ؛ كوجوب التقوى وتحريم الفجور .
فعلى عهدة المفسّر والفقيه ، الفحص والطلب عن المخصّصات والمقيّدات المتّصلة والمنفصلة والتفقّه فيها من الكتاب والسنّة وكذلك المقيّدات العقليّة والتدبّر والتأمّل فيها .
ثمّ إنّه لا دليل ولا ظهور في الآية الكريمة على كون الناسخ في طول المنسوخ والمنسيّ ومقيّدا بزمان بعد زمان المنسوخ ومشروطا لنسخه ، بل الآية الكريمة مطلقة من هذا الحيث أيضا . ومن الممكن بحسب الواقع والثبوت أن تكون للآية المنسوخة والمنسيّة أمثال ونظائر في عرضها أيضا متساويا بعضها في الحكمة والمصلحة مع بعض آخر ، فله تعالى أن يأتي بواحدة أخرى بعد رفع الأولى . والكلام في تخصيص كلّ منها بزمان دون زمان مثل الكلام في اختيار الأمور المترجّحة المتساوية ولا دليل على انحصار المثل بأن يكون في طول المنسوخ منحصرا بفرد واحد ، فالمعتمد في ذلك هو