و
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 19 ]
فالدّين الّذي جاء به الأنبياء الكرام واحد غير أنّ اللّه سبحانه جعل لكلّ أحد من أنبيائه شرعة ومنهاجا ، قال تعالى :
« لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » .
[ المائدة ( 5 ) / 48 ]
فليس نسخ حكم في الشريعة السابقة بشيء من أحكام الشريعة اللّاحقة إلّا كنسخ حكم في الشريعة الواحدة بشيء من تلك الشريعة بعينها .
قوله تعالى :
« أَوْ نُنْسِها »
أقول : هذا عطف على قوله : « ننسخ » ومجزوم بما جزم به المعطوف عليه . وهو من باب الإفعال بمعنى الإذهاب من الذكر والحفظ وإنساء الآية إذهابها من الذكر وجعلها نسيا منسيّا بين الناس بحيث لا يذكرها ولا يعرفها أحد من الناس . وليس في الآية الكريمة ما يدلّ على إنسائه تعالى شيئا من آياته عن ذكر النبي وحفظه وليس سياق الآية الكريمة في بيان شيء من ذلك وإنّما الظاهر منها بيان مالكيّته تعالى ملكا تكوينيّا وتشريعيّا على الإطلاق ونفوذ قدرته وسلطانه فيما يملكه ويتصرّفه ويحكم بما يشاء ويريد طبق الحكمة البالغة والتدبير العلمي على ما سيأتي توضيحه في ذيل الآية إن شاء اللّه . هذا أوّلا ؛
وثانيا ، إنّ هذه الآية الكريمة في سورة البقرة وهي مدنيّة . وقوله تعالى :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى . إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى . وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى »
[ الأعلى ( 87 ) / 6 - 8 ] ، في سورة الأعلى وهي نازلة بمكّة في أوائل أمره صلّى اللّه عليه وآله وهذا صريح في أنّ قراءته صلّى اللّه عليه وآله إنّما هي باللّه وبفعله تعالى وبعنايته الخاصّة به صلّى اللّه عليه وآله وهو بقرينة قوله تعالى :
« فَلا تَنْسى »
الّذي هو صريح في نفي النسيان عنه صلّى اللّه عليه وآله على نحو الاستمرار والدوام ، يدلّ على إفاضته تعالى العلم بالقراءة وبذكرها وحفظها إليه صلّى اللّه عليه وآله .
فإن قلت : فما تقول في الاستثناء بقوله :
« إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ »
أي : إلّا ما شاء اللّه أن لا يقرئه تعالى وينسى ؟