تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
هذا ردّ من اللّه عليهم ، فإنّ كتمان الأمر والمحكوميّة عن المؤمنين لا ينفعهم عند اللّه لأنّ اللّه تعالى يعلم ما يسرّون وما يعلنون ، فكتمان ما يبطل حججهم وإظهاره عند اللّه سواء . ويمكن أن يقال : إنّه توبيخ وردّ منه تعالى بالنسبة إلى جميع سيّئاتهم من تحريف الكتاب وسدّ سبيل الناس ونهيهم الأكيد عن الإيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وكتمان خيانتهم عن اللّه . قوله تعالى :
« وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ » .
( 78 ) هؤلاء فريق آخر من اليهود وهم الأميّون الّذين لم يكتسبوا علما ليقدروا به على الكتابة والقراءة وهم بسيطون كما ولدتهم أمّهاتهم وما علمهم بالكتاب إلّا على نحو الأماني . والأماني ليست القراءة فإنّ الأمّي المحض لا يقدر على القراءة ، والظاهر من موارد استعمالات هذا اللفظ في الآيات والأخبار أنّها المشتهيات والهوسات الّتي يريد صاحبها ثبوتها وتحقّقها حبّا لها وتعصّبا . وهذه الهوسات تعميه وتصمّه عن إحقاق الحقّ وإبطال الباطل كما في قوله تعالى :
« لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً » .
[ النساء ( 4 ) / 123 ] و
« وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » .
[ البقرة ( 2 ) / 111 ] و
« يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » .
[ الحديد ( 57 ) / 14 ] قال في مجمع البيان 1 / 145 : وقيل أمانيّ يتخرّصون الكذب ويقولون الباطل . والتمنّي في هذا الموضع هو تخلّق الكذب وتخرّصه . وقال في المنار 1 / 359 : وفسّر بعضهم الأمانيّ بالأكاذيب ابتداء . وقال في الميزان 1 / 218 : والأماني جمع أمنيّة وهي الأكاذيب . أقول : هذه الأقوال لا تناسب المقام ولا تساعدها الموارد الّتي يستعمل فيها هذا اللّفظ بل الأنسب في المقام هو ما ذكرناه .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 261 | محمد باقر الملكي الميانجي