تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
والرهبة أن تكفئ كفّيك فترفعهما إلى الوجه . . . أقول : بعد التأمل في هذه الروايات وما في معناها من الروايات الأخر أنّ الرهبة ليست مرادفة للخوف . ولا نعني بإيراد هذه الروايات في المقام الاستدلال على المعنى اللّغوي وأنّ الموضوع له هو هذا المعنى المذكور في هذه الروايات بل المراد أنّ المعنى المذكور في الروايات هو المعنى اللّغوي أو من مصاديقه أو ما يقاربه ويسانخه استعمل فيه بضرب من العناية . وعلى جميع التقادير المعنى هو التعبّد أو من شؤونه مع اشتماله على مراعاة مقام الربّ المولى المهيمن . قوله تعالى :
« وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ »
قد تقدّم تفسير الإيمان في قوله تعالى :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ . . . »
[ البقرة ( 2 ) / 8 ] ، وأنّ الإيمان كلّه عمل وأنّ هذه الفريضة الواجبة المؤكّدة منبسطة على الجوانح والجوارح وعلى القلوب والقوالب فالمؤمن بعمله الخارجي دون الجوانح مسلم منافق ، والمؤمن بالقلب والأعضاء مؤمن ومسلم ، فالخارج عن الإيمان مسلم وعن الإسلام كافر . ويشكل الاستدلال بالآية على أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كما أنّهم مكلّفون بالأصول فإنّ التكليف بالأصول والفروع إذا كان في عرض واحد يمكن الاستدلال إلّا أنّ الآية الكريمة غير ظاهرة في هذا المعنى . على أنّ الإيجاب بالنسبة إلى بعضها عقلي ضروريّ وبالنسبة بعضها مولوي شرعيّ فالتذكّر بما هو واجب بذاته ليس في مرتبة الأحكام المولويّة الشرعيّة كما لا يخفى فليس وجوب كلا الطائفتين في عرض واحد وفي مرتبة واحدة كما أوضحنا في تفسير قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ . . . »
[ البقرة ( 2 ) / 21 ] والمراد من الموصول ( بما ) القرآن أو جميع ما أوحي إليه صلّى اللّه عليه وآله من القرآن ومن سننه الّتي سنّها في حياته . وقوله :
« مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ »
حال من الموصول ، وتصديق القرآن لما معهم هو أنّ القرآن المجيد مهيمن على جميع الكتب قال تعالى :
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » .
[ المائدة ( 5 ) / 48 ] والظاهر أنّ المعنى المتناسب في المقام للمهيمن ، كون القرآن مراقبا ومرصدا