تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وهجرتهم من الشام إلى يثرب وتمركزهم فيها غير صريحة في التواريخ ولعلّهم سكنوا عند جلائهم وفرارهم في بعض الحروب الّتي وقعت بينهم وبين جبابرة عصرهم على الإجمال كما يلوح ذلك من خطبة أمير المؤمنين صوات اللّه عليه في النهج ، الخطبة / 192 حيث قال عليه السّلام : فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السّلام ، فما أشدّ اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال . تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم وتفرّقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم ، يحتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشّيح ومهافي الريح ونكد المعاش فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر ، أذلّ الأمم دارا وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ولا إلى ظلّ ألفة يعتمدون على عزّها . فالأحوال مضطربة ، والأيدي مختلفة ، والكثرة متفرّقة . في بلاء أزل وإطباق جهل ! من بنات موؤودة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة . . . قوله تعالى :
« وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ »
الوفاء هو القيام بالعمل على نحو التمام والكمال . قال في لسان العرب 15 / 398 : وفي الشيء أي ثمّ ، وأوفيته أنا أتممته . . . وكلّ شيء بلغ تمام الكمال فقد وفى وتمّ . . . وكلّ ما تمّ من كلام وغيره فقد وفى . ومعنى « العهد » قد تقدم في تفسير قوله تعالى :
« يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ »
[ البقرة ( 2 ) / 27 ] قوله تعالى :
« وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ » .
( 40 ) قال في التبيان 1 / 184 : الفرق بين الخوف والرهبة ، أنّ الخوف هو شكّ في أنّ الضرر يقع أم لا والرهبة معها العلم بأنّ الضرر واقع عند شرط فإن لم يحصل ذلك الشرط لم يقع . أقول : هذا موعظة وتذكّر بعد التذكّر بالوفاء بالعهد الإلهي واحترام الميثاق المأخوذ الّذي هو القيام بما علم من العقل والشرع من الأحكام الضروريّة العقليّة واكّد