تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
فليعلم أنّ السجدة عبادة ذاتا ، توضيح ذلك : إنّ العبادة في اللّغة هي التذلّل . والعبادة المأمور بها إذا أوجدها المكلّف لا بدّ في تحقق عباديّتها أن يؤتى بقصد أمرها وعدم تحقّق الإخلاص لا ينافي العباديّة فإنّ من الممكن أن تتحقّق العبادة مع وجود الاشتراك فتحصيل الإخلاص غير محقّق عنوان العبادة فانحصر تحقّق العبادة بقصد أمرها ؛ والدواعي الأخر من طلب رضاه والخوف من النار والطمع في الجنّة إنّما هو في طول قصد الأمر لا في عرضه فلا محالة لا يمكن تحقّق العباديّة بغير قصد الأمر نعم ، بعد تحقّق العبادة فجميع الدواعي بالنسبة إلى تحصيل الخلوص متساوية الأقدام سواء كان قصد أمرها أو ما كان في طوله من الدواعي . أمّا السجدة والذكر له تعالى وثناؤه وتسبيحه وتقديسه فلا يحتاج في تحقّق عباديّتها إلى قصد الأمر فيكفي في التعبد والتقرّب بها إلى اللّه تعالى حسنها الذاتي ، فإنّ الثناء والسجدة والتمجيد من كلّ أحد بالنسبة إلى كلّ أحد خضوع وتمجيد وتذلّل وعبادة بذاتها من دون احتياج إلى قصد الأمر لا أنّها عبادة ذاتيّة له تعالى يستحيل وقوعها لغيره عقلا ولا ينقلب عمّا هو عليه فإذن يحتاج في إثبات تحريم السجدة لغيره تعالى من دليل شرعي ، والانصاف أنّ ما ذكرناه من الرّوايات كافية في ذلك . وأمّا سجدة الملائكة لآدم عليه السّلام فالتحقيق بحسب الروايات أنّها إنّما بلحاظ كون آدم قبلة ومحرابا فلا تكون سجدة لآدم كما هو الظاهر من بعض الروايات المتقدمة ويدلّ عليه أيضا ما في مروج الذهب 1 / 33 ، مسندا عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ، قال : فجعل آدم محرابا وكعبة وبابا وقبلة أسجد إليها الأبرار والروحانيّين الأنوار . وأمّا التحيّة والتكرمة لآدم فقد شاء اللّه أن يكرم صفيّه وخليفته بأمره الملائكة أن يكرموه كيف وقد أمر اللّه تعالى بتعظيم أوليائه وأحبائه من حيث يريده وإن كان شاقّا على بعض المعاندين ولم يعلموا الفرق بين التعظيم بأمر اللّه ومن دون اللّه فقالوا ما قالوا من أنّ ولاية أولياء اللّه وتعظيمهم بأمر اللّه شرك باللّه ولم يعلموا أنّ ردّ أمر اللّه بالنسبة إلى تكريم أوليائه نصب فالحكم للّه العليّ الكبير . وقد قرّرنا فيما تقدم أنّه يشترط في موضوع التكاليف الفرعيّة أن يكون مسلما