تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
الحمد للّه الّذي لبس العزّ والكبرياء واختارهما لنفسه دون خلقه وجعلهما حمى وحرما على غيره واصطفاهما لجلاله وجعل اللّعنة على من نازعه فيهما من عباده ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب :
« إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ . فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلَّا إِبْلِيسَ »
[ ص ( 38 ) / 71 - 74 ] اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه وتعصّب عليه لأصله ، فعدّ واللّه إمام المتعصبين وسلف المستكبرين الّذي وضع أساس العصبيّة ونازع اللّه رداء الجبريّة وادّرع لباس التعزز وخلع قناع التذلل ، ألا ترون كيف صغّره اللّه بتكبّره ووضعه اللّه بترفّعه فجعله في الدنيا مدحورا وأعدّ له في الآخرة سعيرا . ولو أراد اللّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ويبهر العقول رواؤه ، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل ولو فعل لظلّت له الأعناق خاضعة ولخفّت البلوى فيه على الملائكة ولكنّ اللّه سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ونفيا للاستكبار عنهم وإبعادا للخيلاء منهم فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد وكان قد عبد اللّه ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ، كلّا ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد وما بين اللّه وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرّمه على العالمين . . . ثمّ ساق عليه الصّلاة والسّلام كلامه في التحذير عن إبليس وعمله والتحذير من مكائده ومصائده ثم عاد في كلامه عليه الصّلاة والسّلام إلى أصل الموضوع واختبار الخلق بما هو يحقر عندهم ويعظم عند اللّه خطره ومثّل بذلك اختبار فرعون