بعد انحلال البدن الدنياوي وبطلان أصولها ، فالنفس معذبة بنار توقدها وتوجدها نفسها ، فليس هنا جهنّم ونار خارجيّة وهكذا الجنّة وما فيها من النعيم الموعود .
قال في الأسفار 9 / 183 : إنّ الدار الآخرة وأشجارها وأنهارها وغرفاتها ومساكنها والأبدان الّتي فيها كلّها صور إدراكيّة وجودها عين مدركيّتها ومحسوسيّتها ، وقد علمت مرارا أنّ الصورة المحسوسة وجودها في نفسها عين محسوسيّتها ومحسوسيّتها عين وجودها للجوهر الحاسّ وكذلك حكم الصور المعقولة في أنّ وجودها في نفسها ومعقوليّتها ووجودها للجوهر العاقل كلّها شيء واحد بلا اختلاف جهة . . .
وقال فيه أيضا / 192 : بل ليس في الجنّة إلّا شهوات النفس ومراداتها .
وفيه أيضا / 268 : واعلم أنّ جميع ما في عالم الآخرة صورة إدراكيّة ليس لها موضوع أو مادّة . . . وكذلك الماء والهواء والشجر والجبال والأبنية والبيوت كلّها موجودة بوجود صوريّ نفساني بلا مادّة وحركة وقوّة استعداديّة . . .
وفيه أيضا / 335 : وقد علمت أنّ جنّة المؤمن أو جحيم الكافر ليست بأمر خارج عن نفسه .
قوله تعالى :
« وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ »
قال في لسان العرب 3 / 465 : الوقود : الحطب . . . الوقد : نفس النار . ووقدت النار تقد وقدا وقدة ووقدانا ووقودا - بالضم - ووقودا عن سيبويه ، قال : والأكثر أنّ الضمّ للمصدر والفتح للحطب . . . والوقود : ما توقد به النار ، وكلّ ما أوقد به فهو وقود .
قال في الميزان 1 / 88 : ثم إنّ الوقود ما توقد به النار وقد نصّت الآية أنّه نفس الإنسان ، فالإنسان وقود وموقود عليه كما في قوله تعالى أيضا :
« ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ »
[ المؤمن ( 40 ) / 72 ] ، وقوله تعالى :
« نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ »
[ الهمزة ( 104 ) / 7 ] ، فالإنسان معذب بنار توقده نفسه وهذه الجملة نظيرة قوله تعالى :
« كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً »
[ البقرة ( 2 ) / 25 ] ظاهرة في أنّه ليس للإنسان هناك إلّا ماهيّأه من ههنا ، كما عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون « 1 » ( الحديث )
هامش
( 1 ) - الظاهر أنّ مراده هذه الرواية الواردة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : والذي بعثني بالحقّ لتموتنّ -