من تجهيزاتكم اقضوا إلى هذا القرآن وأتوا بسورة من مثله .
قوله تعالى :
« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا » .
قد أتى بأن الشرطيّة في مقام الجدال والاستدلال إتماما للحجّة وإيفاء لتمام النصفة على الخصم المجادل ثمّ حكم على المكذّبين بأنّهم « لن يفعلوا » أبدا وقرع أسماعهم بالخذلان الدائم وبأنّهم لا يقدرون عليه أصلا وليس تظاهرهم الريب في هذا الموقف إلّا على سبيل اللّجاج والإغماض عن الحقّ المبين ولذا أنذرهم وحذّرهم عن النار الكبرى فإنّ اللّجاج والسفاهة في مقابل الحقّ والمكابرة مع العلم قبيح محرم بذاته بضرورة العقول وشهادة العيان ؛ مضافا إلى أنّه خيانة على عامّة البشر وصدّ عن سبيل الحق على طلّابه وسالكيه فلا محالة يستحقون أن يصلوا النار الكبرى جديا على سنّة العدل ومجازاة الخائن ، فسبحانه من إله أن يجعل المجرمين والخائنين كالمتّقين والمحسنين .
قوله تعالى :
« فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي » .
قد شهدت نصوص الكتاب والسنّة على أنّ اللّه سبحانه خلق عالم الآخرة مع عرضها العريض من سنخ هذا العالم . ومن جملتها عوالم النّار بما لا تقدّر العقول قدرها وسعتها وشدّتها ؛ ومن جملتها وأجزائها عوالم الجنّة وما فيها من النعم والسرور والصفاء لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
قال في كشف المراد / 270 : اختلف الناس في أنّ الجنّة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا ، فذهب جماعة إلى الأوّل وهو قول أبي علي ، وذهب أبو هاشم والقاضي إلى أنّهما غير مخلوقتين . . . احتجّ أبو هاشم بقوله تعالى :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
[ القصص ( 28 ) / 88 ] فلو كانت الجنّة مخلوقة الآن لوجب إهلاكها والتالي باطل لقوله تعالى :
« أُكُلُها دائِمٌ »
[ الرعد ( 13 ) / 35 ] .
أقول : قد توهم أنّ وجود الجنّة والنّار بعد انحلال الدنيا وبطلانها ولم يتفطّن أنّ الجنّة والنار من أجزاء الآخرة وموجودتان مخلوقتان الآن وقد يعبر عنهما بعالم الغيب .
والأمر العجيب أنّ بعضا من الفلاسفة المنتحلين الإسلام قال : إنّ الجنّة والنار إنّما تنشآن بإنشاء البدن في الصقع المسانخ لهما من دون مشاركة مادّة لهما وقال : إنّ موطن تلك النار ومحلّها عالم الخيال الّذي تصل إليه النفس بالحركة الجوهريّة الذاتيّة