الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ » .
يعني فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمّد صلّى اللّه عليه وآله في الإعجاز . . .
أقول : ارجاع الضمير في قوله : « من مثله » إلى القرآن وجعل « من » بمعنى التبعيض بدليل موافقة الآية لغيرها من آيات التحدّي ليس بسديد ، لأنّ رفع اليد عن ظهور الآية بذلك يوجب الالتزام بعدم الظهور على أنّ قوله تعالى :
« بِسُورَةٍ »
نصّ في التبعيض فلا محالة يكون مفاد الآية ، فأتوا بسورة أي ، بقطعة من القرآن فلا يحتاج إلى جعل « من » بمعنى التبعيض .
وأمّا جعل « من » زائدة فإنّه التزام من غير إلزام .
وأمّا القول بأنّها للتبيين ، فإنّه وإن لم يكن في الضعف بمثابة قول من زعم أنّها للتبعيض إلّا أنّه لا معنى للتّبيين فإنّ السورة الّتي تحدّاهم بإتيانها معلومة مبيّنة .
فتحصّل أنّ الآية الكريمة مع رجوع الضمير إلى الموصول نصّ في التبعيض من غير احتياج إلى جعل « من » للتبعيض كما في قوله : « بسورة مثله » . ولا مجوّز لكونها زائدة . ولا شاهد لجعلها للتّبيين . فالراجح الظاهر أن يكون المرجع للضمير « عبدنا » .
قوله تعالى :
« وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ » .
قال في مجمع البيان 1 / 62 : قال الفراء : أراد ، وادعوا آلهتكم .
أقول : فعلى هذا لا بدّ من تفسير الدعوة بالدعاء والاستعانة بآلهتهم ، أي إحضارهم في الموقف والاستمداد منهم وإشراكهم في المبارزة وقد علموا أنّهم ما كانوا يطيقون ولا يأتون ولا يحضرون فيكون الأمر للتهكّم والتقريع والتبكيت عليهم . لكن الظاهر أنّ المراد من الشهداء هم الأعوان والأنصار في تكذيب الرسول وإطفاء نور الحقّ . والعناية الملحوظة في إطلاق الشهيد تختلف باعتبار الموارد المستعملة فيها . فإنّ الشهيد قد يطلق على الحاضر ويطلق على من يقتل في سبيل اللّه لحضوره في الجهاد ويطلق الشاهد على من حضر في الموقف ويعاين الحادثة ويقررها عند القاضي ويطلق أيضا على من حضر لإعانة غيره مثل قوله تعالى :
« ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً »
[ الكهف ( 18 ) / 51 ] . والظاهر أنّ الشهداء في الآية الكريمة من قبيل هذا الأخير .
قال في مجمع البيان 1 / 62 : قال ابن عباس : يعني أعوانكم وأنصاركم الّذين