تبصرة وتكملة
لا ريب بحسب صريح الآيات الواردة في التحدّي وكذا بحسب القصص الواردة في شؤون الأنبياء وفيما جرى بينهم وبين أممهم أنّ القرآن يثبت معجزات والآيات للأنبياء إثباتا لنبوّتهم وصدقهم في ما ادّعوا من دعوى الرسالة والنبوّة .
والتحقيق في المقام أنّ النبوّة والرسالة تعليم إلهي وتنوير وهداية من اللّه سبحانه خارجة عن حقيقة ذات النّبي والرسول بل إفاضة من اللّه تعالى على طور خارق للعادة ومبطل لنظام الطبيعة سواء كان النبيّ أميّا محضا أو تتلمذ لعلماء الدنيا ، وهذا التعليم الإلهي طور آخر مباين سنخه وطوره وحقيقته مع جميع العلوم البحثيّة والكشفيّة والعلوم الدائرة في عصرنا الحاصلة من تكرار التجارب وغيرها ، وحجّة بذاته لذاته وليس إلّا من فعله سبحانه ولا كيف ولا طور لفعله . هذا كلّه في مقام الثبوت .
أمّا مقام الاثبات فلمكان احتجاب عموم الناس عن درك هذه الحقيقة ونيلها بحواسهم وأفكارهم وعقولهم ولذا لا تزال أممهم يواجهون معهم بإنكار دعواهم الرسالة والنبوّة ورموهم بأنواع من السخرية والاستهزاء فلا بدّ لهم من أجل تصديق الأمم لذلك والإذعان له والوصول إليه من أدلّة وعلامات وأمارات مفيدة لهم العلم بنبوّتهم ؛ ولا تتصور طريقا وسبيلا إلى ذلك إلّا الإعجاز لأنّه واسطة وطريق إلى نيل النبوّة والرسالة وتصديقها لا إلى تصديق مقاصدهم وموارد دعوتهم فإنّ من المقاصد ما لا يجوز التديّن بها إلّا بعد العلم والمعرفة مشروطا بالنبوّة ومنها ما لا بد من العلم به والوصول إليه ويجب النظر والتذكّر والتدبّر على الإطلاق ومنها ما يكفي التعبّد فيه كالفروع والأحكام الشرعيّة التعبديّة . وسرّ إثبات الإعجاز وكشفه عن مقام الرسالة والنبوّة هو أنّه لما كانت النبوّة والرسالة أمرا خارقا للعادة ومبطلا لنظام الطبيعة وقاطعا للعلل والمعلولات والأسباب والمسبّبات غير قابل للتصديق والإذعان بمجرّد الدعوى ، فبروز المعجزة وظهورها عن النبي والرسول في مقام التحدّي والتعجيز حيث إنّها فعل من اللّه تعالى محض استثناء عن سنّة العادة والطبيعة مستند إلى مشيّته