يظاهرونكم على تكذيبكم . وسمّى أعوانهم شهداء لأنّهم يشاهدونهم عند المعاونة والشهيد يكون بمعنى المشاهد كالجليس والأكيل ، ويسمى الشاهد على الشيء لغيره بما يحقّق دعواه بأنّه شهيد أيضا . . . وقول ابن عبّاس أقوى .
أقول : لا يخفى ضعف العناية المذكورة وتأويل الشهيد بالمشاهد وقياسه بالجليس والأكيل . وأمّا تأويل الشهيد بالشاهد ، فقد أخذ فيه المعنى المصطلح الفقهي .
قوله تعالى :
« مِنْ دُونِ اللَّهِ »
أقول : إطلاق هذا اللّفظ في القرآن مثل الشفاعة من دون اللّه ، والتحليل من دون اللّه ، والتحريم من دون اللّه ، والعبادة من دون اللّه ، والتشريع من دون اللّه كثير .
فكلّ عمل وعبادة وتحليل وتحريم وقع بأمر اللّه سبحانه وبإذنه فهو حلال محلّل مبارك . وهكذا كلّ نصرة وشفاعة وأثر تكويني يعتقد أنّه بأمر اللّه وبإذنه فهو التوحيد الخالص . ولو قيل : إنّها مع اللّه فيكون اللّه أحدا من الشركاء ، أو من دون اللّه أي باستقلال من غير اللّه سبحانه فهو الشرك والكفر فملاك التوحيد هو استناد الأمر إلى اللّه سبحانه مباشرة بلا واسطة أو ينتهي الأمر إليه تعالى ويعلل بأمره وبإذنه كما في أمر الأنبياء والرسل وهكذا في التكوينيّات ، وكلّ ما سوى ذلك بدعة في الأعمال وشرك وكفر في العقائد وهذا باب تنفتح منه أبواب في باب العقائد والأحكام .
فهؤلاء الشهداء الذين يستنصر بهم على تكذيب الرسول وإطفاء نور الحقّ لا ينصرون الذين كفروا بنصرة من ربّهم وبأمره وإذنه لا تكوينا ولا تشريعا فهؤلاء لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلا عن غيرهم .
قوله تعالى :
« إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » .
( 23 )
أي ، إن كنتم صادقين في دعوى الريب والترديد في أمر القرآن فأتوا بسورة من مثله وحيث إن القرآن لا يقبل الريب والترديد فدعوى الريب منهم لا تكون إلّا مكابرة وعنادا واستكبارا .
فظهر أنّ اللّه سبحانه يقرع المكذّبين بالقرآن أن اجمعوا أمركم وشركاءكم وأعوانكم وشهداءكم من دون اللّه فأتوا كلّكم أجمعون بسورة ممّا أنزلنا على عبدنا الّذي لم يختلف إلى عالم ولا يتّخذ عن أحد وأنتم مع جميع ما تستطيعون من قدرتكم وشهدائكم من فراعنة الأرض وجبابرتها بلا استثناء أحد منكم وبلا استثناء شيء