تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
فظهر من جميع ما ذكرنا أنّه لا دليل من الكتاب والسنّة على أنّ الكفار مكلّفون بالفروع كما أنّهم مكلّفون بالأصول إلّا أنّ هذا هو المشهور بين علماء الإماميّة بل بين علماء الاسلام . قال في الحدائق الناضرة 3 / 39 : المشهور بين الأصحاب ( رضوان اللّه عليهم ) بل كاد يكون إجماعا أنّه يجب الغسل على الكافر لأنّ الكفّار مكلّفون بالفروع . ولم ينقلوا في المسألة خلافا عن أحد من الخاصّة بل من العامّة إلّا عن أبي حنيفة . وقال في البحار 23 / 84 : ويدلّ الخبر على أنّ المشركين باللّه غير مكلّفين بالفروع ، والمخالفين مكلّفون بها ، وهو خلاف المشهور بين الإماميّة . فتحصّل أنّ قوله تعالى :
« اعْبُدُوا رَبَّكُمُ . . . »
ليس في تشريع شيء من العبادات أو تشريع شيء من المحرّمات كي يبحث عن شموله للكافر والمؤمن . لأنّه أمر إرشاديّ لإتيان ما كان عبادة من قبل علله ، هذا أوّلا . وثانيا لو سلّمنا وقلنا : إنّه في مقام تشريع العبادات من دون احتياج إلى دليل تشريع شيء من الواجبات والمحرّمات فلا دليل على توجّه الخطاب للكفّار المنكرين بالأحكام التعبديّة . فالآية الكريمة صدرا وذيلا أجنبيّة عمّا ذكروه وإنّما هي في مقام الدعوة الكبرى إلى اللّه الظاهر بآياته وبيّناته بضرورة الفطرة لجميع العقلاء وتذكيرهم بساحته الكبرى وسوقهم إلى مطالعة الآيات والتدبّر في أسرار الخليقة ورموز الكون والتوجّه لحفظ الحدود والتحذير عن المجادلة والمغالطة ومخالفة العلم . وتذكيرهم بالجرم العظيم وهو اتّخاذ الأمثال والأنداد ، وأمرهم بخلعها ودعوتهم إلى المبارزة وتحدّيهم بإتيان هذا العلم الظاهر إن أصرّوا على لجاجهم وعنادهم . فالقيام بهذه الواجبات والعزائم العقليّة هو العبادة بالحقيقة والحذر عن مخالفة تلك الأصول هو التّقوى جدّا وإليها ينتهي كلّ الواجبات ، فإطلاق العبادة والتّقوى على تلك العزائم بالأوليّة والأولويّة كما أوضحناه في تفسير قوله تعالى :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
في سورة الفاتحة ، وفي إطلاقات الكتاب والسنّة شهادة كافية على ذلك . في الكافي 2 / 33 ، عن علي بن إبراهيم مسندا عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قلت له : أيّها العالم أخبرني أيّ الأعمال أفضل عند اللّه ؟ قال :