فالاستفادة من هذه الأصول الّتي أتقنها وأحكمها الربّ العزيز العليم تعمّ جميع الخلق حتّى الأنداد الّتي اتّخذها الجاهلون إلها . وهذا هو معنى الرحمانيّة العامّة الّتي يستفيد منها المؤمن والكافر والصدّيق والعدوّ .
وواضح أنّ « جعل » ليس مرادفا ل « خلق » بل فيه العناية والغرض فكان الكلام في قوّة أن يقال : خلق وجعل لأمر كذا . قال تعالى .
« اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ » .
[ المؤمن ( 40 ) / 61 ] و
« وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » .
[ القصص ( 28 ) / 73 ]
ومن فوائد الأرض كونها فراشا منبسطة تحت أرجل الناس يستريحون إليها وبها ويستمتعون فيها بجميع أنحاء الاستمتاعات من البناء والغرس والزرع وتفجير العيون والأنهار . قال علي عليه السّلام في النهج ، الخطبة / 211 :
فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها وأجمدها بعد رطوبة أكنافها فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا .
وفي التوحيد / 403 ، عن محمّد بن القاسم الاسترآبادي مسندا عن الحسن بن علي عليهما السّلام ، عن آبائه ، عن علي بن الحسين عليهم السّلام في قول اللّه :
عزّ وجلّ :
« الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً »
قال :
جعلها ملائمة لطبائعكم ، موافقة لأجسادكم ، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم ، ولا شديدة البرد فتجمدكم ، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم ، ولا شديدة النتن فتعطبكم ، ولا شديدة اللّين كالماء فتغرقكم ، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم وأبنيتكم وقبور موتاكم ، ولكنّه عزّ وجلّ جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم ، وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم فلذلك جعل الأرض فراشا لكم . . .
قوله تعالى :
« وَالسَّماءَ بِناءً » .