توصيف ثالث وتحسين آخر في حقّ المتّقين بأنّهم موقنون بالآخرة الّتي هي من أعظم الغيوب والإيمان بها عديل الإيمان باللّه سبحانه . والمراد من الآخرة ما هو في مقابل الدنيا مثل الغيب مقابل الشهادة أي ، جميع العوالم بعد الدنيا وما فيها من الحقائق والأعيان أي ، البرزخ وما بعده من العوالم واحدا بعد واحد حتّى تنتهي إلى العرض الأكبر على اللّه وهو موقف الحساب وما بعده من عوالم الجنّة والنّار إلى أن يستقرّ أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النّار وأوّل منازل الآخرة هو القبر .
في البحار 6 / 242 ، عن جامع الأخبار ، عن النّبي صلّى اللّه عليه وآله قال :
إنّ القبر أوّل منازل الآخرة ، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده ليس أقلّ منه .
وحيث إنّ لفظ « الآخرة » كثير الاستعمال في القرآن لا يجوز الاقتحام في تفسيره بالنظر البدوي كما هو المأنوس في الأذهان بأنّ المراد من الآخرة هي القيامة ويوم الحساب مع أنّ القيامة من إحدى مواقف الآخرة ومنازلها . فيمكن أن يراد منها مطلق الآخرة أو واحدة من مواقفها . فلا بدّ في تفسيرها من النظر في الموارد المذكورة وتعيين مورد وموقف بخصوصه أو تثبيت عمومها وإطلاقها بالنسبة إلى جميع المواقف .
وإطلاق الآخرة على غير القيامة وعلى البرزخ وما بعد الدّنيا كثير والبرزخ الذي فيه جنّات عدن من مصاديق الآخرة قال تعالى :
« جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا . لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا » .
[ مريم ( 19 ) / 61 - 62 ]
في تفسير القمي 2 / 52 ، مسندا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى :
« وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا »
قال :
ذلك في جنّات الدنيا قبل القيامة . والدليل على ذلك قوله :
« بُكْرَةً وَعَشِيًّا »
فالبكرة والعشيّ لا تكون في الآخرة في جنّات الخلد وإنّما يكون الغدوّ والعشيّ في جنّات الدنيا الّتي تنتقل إليها أرواح المؤمنين وتطلع فيها الشمس والقمر .
أقول : قوله عليه السّلام : جنّات الدنيا ، لا ينافي كون البرزخ من مصاديق