تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
« يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » .
[ البقرة ( 2 ) / 255 ] ومن الغيب ما يستحيل الاطلاع عليه واستكشافه وهو الّذي ضرب اللّه عليه الحجاب العمدي ولا يظهر على غيبه أحدا من البشر طبق السنن الدائرة في التعاليم العادية . فينحصر العلم على تلك الغيوب المستورة تحت الحجاب العمدي بإفاضة العلم منه تعالى كما فعل ذلك لعدّة خاصّة من المقرّبين الّذين ارتضاهم اللّه لغيبه واختارهم لسرّه على نحو الإعجاز وخرق العادة . قال تعالى :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 179 ] و
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » .
[ الجنّ ( 72 ) / 26 - 27 ] ومن الغيب ما كان غائبا عن الحواسّ والعقول والأفهام إلّا أنّه ليس من المستحيل الوقوف عليه من طريق الأسباب والعلل العادية مثل الوقائع الحادثة في أقطار العالم فإنّها غيب عند قوم وشهادة عند آخرين . ومنه ما يمكن الاطّلاع عليه طبق السنن الجارية في التعاليم الدائرة اليوم ، فإنّه ينال عدّة من الباحثين والمتفكّرين أمورا ويكشفون مالم يطّلع عليه أحد إلى يومنا هذا من الأسرار المودعة في الطبيعة . وفي الآية الكريمة شهادة على أنّ الإيمان بالغيب من جملة الفرائض الضروريّة لمن آمن بالقرآن حيث ذكر الإيمان بالغيب في سياق إقامة الصلاة . ويشهد على ذلك كثير من آيات القرآن الكريم فإنّ الإيمان بالآخرة الّتي هي في أكبر الغيوب قد وقع عديلا للإيمان باللّه ، وترك الإيمان بالآخرة عديل ترك الإيمان باللّه سبحانه . قال تعالى :
« ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » .
[ البقرة ( 2 ) / 232 ] و
« وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » .
[ التوبة ( 9 ) / 99 ] والآيات في هذا الباب كثيرة جدّا . وواضح أنّ اللّه سبحانه ليس من مصاديق الغيب كي يكون متعلق الإيمان في المقام هو اللّه سبحانه بل متعلق الإيمان هو الغيب