ويذكّروهم منسيّ نعمته ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول » .
فقد استقصينا الكلام في ذلك في كتابنا « توحيد الإماميّة » ومن أراد فليراجعه .
ولا يخفى أنّ الظاهر في المقام بل الصريح أنّ المراد من الكفر في الآية الكريمة هو كفر الجحود واللّجاج لأنّ اليأس من إيمانهم المستفاد من قوله تعالى :
« سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ . . . »
والتسجيل عليهم بأنّهم لا يؤمنون وبأنّه ختم اللّه على قلوبهم فلا يقبلون الهدى ولا يذعنون للحقّ يأبى عن حمل الكفر في الآية الكريمة على كفر المعصية وكفر النعم .
في أصول الكافي 2 / 389 ، عن علي بن إبراهيم مسندا عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قلت له : أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب اللّه عزّ وجلّ ، قال :
الكفر في كتاب اللّه على خمسة أوجه : فمنها كفر الجحود ، والجحود على وجهين ، والكفر بترك ما أمر اللّه ، وكفر البراءة ، وكفر النعم .
فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة وهو قول من يقول : لا ربّ ولا جنّة ولا نار وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم : الدهريّة وهم الّذين يقولون :
« وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ »
[ الجاثية ( 45 ) / 24 ] وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان على غير تثبّت منهم ولا تحقيق لشيء ممّا يقولون . قال اللّه عزّ وجلّ :
« إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ »
[ البقرة ( 2 ) / 78 ] أنّ ذلك كما يقولون وقال :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
يعني بتوحيد اللّه تعالى فهذا أحد وجوه الكفر . وأمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حقّ ، قد استقرّ عنده وقد قال اللّه عزّ وجلّ :
« وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا »
[ النمل ( 27 ) / 14 ] وقال اللّه عزّ وجلّ :
« وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ »
[ البقرة ( 2 ) / 89 ] فهذا تفسير وجهي الجحود . . .