للمتّقين فقط بداهة أنّ تشريف القرآن وتمجيده بكونه
« هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
لا يفيد اختصاص الهداية للمتقين ، ضرورة أنّ ثبوت شيء لشيء لا ينافي ثبوته لما سواه .
فالقرآن الكريم هداية للناس أجمعين ، قال تعالى :
« شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ » .
[ البقرة ( 2 ) / 185 ]
و
« قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ » .
[ النحل ( 16 ) / 102 ]
قال في المنار 1 / 126 في تفسير « المتقين » : كان من الجاهلين من مقت عبادة الأصنام . وأدرك أنّ فاطر السماوات والأرض لا يرضيه الخضوع لها ، وأنّ الإله الحقّ يحبّ الخير ويبغض الشرّ فكان منهم من اعتزل الناس لذلك . . . وكان من أهل الكتاب من وصفهم اللّه تعالى بمثل قوله :
« مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 113 - 114 ] . . . فأمثال هؤلاء من الفريقين هم المراد بهم بالمتقين ولا حاجة إلى تخصيص ما جاء في وصفهم بالمؤمنين منهم بعد الإسلام أو بالمسلمين بل أولئك هم الّذين كان في قلوبهم اشمئزاز ممّا عليه أقوامهم ، وفي نفوسهم شيء من التشوّف إلى هداية يهتدون بها ويشعرون باستعدادهم لها إذا جاءهم شيء من عند اللّه تعالى ، فالمتّقون في هذه الآية إذن هم الذين سلمت فطرتهم فأصابت عقولهم ضربا من الرشاد ووجد في أنفسهم شيء من الاستعداد لتلقّي نور الحقّ يحملهم على توقّي سخط اللّه تعالى والسعي في مرضاته . . .
أقول : هذا البيان في نهاية الضعف فإن « المتقين » جمع محلّى بالألف واللّام فيفيد العموم الأنواعي ويشمل جميع مراتب أهل التقوى والصلاح مع اختلاف درجاتهم بحسب معارفهم وكمالاتهم التّقي فالأتقى ، ثمّ الأتقياء الذين يراعون اللّه بتمام وسعهم وجدّهم يوفّقهم اللّه سبحانه أن يكونوا مخاطبين بقوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 102 ]
في معاني الأخبار / 240 ، مسندا عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللّه عليه