صادق الوعد وناجز العدة ووافي القول ، يقوم تعالى شأنه بوعده الجميل . ولا يخلف الميعاد البتّة . قال تعالى حكاية عن عباده الصّالحين ومدحهم بذلك :
« رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 194 ]
وأمّا العبادات الذاتيّة - مثل الإيمان باللّه وذكره وتمجيده وتقديسه جلّ ثناؤه - فلا احتياج في عباديّتها بقصد أوامرها الإرشاديّة - بل لا يعقل ذلك - وإنّما تحتاج إلى قصد الإخلاص . فيمكن تحصيله بقصد شيء من الغايات المذكورة مثل ابتغاء مرضاة اللّه وكراماته منحصرا بها .
3 - إذا أحكمت ما تلونا عليك فنقول : هل الآية الكريمة مسوقة لإبراز إخلاص العمل وتزكيته من الرّياء وأمثاله من الشوائب كما هو المتوهّم في بدو النظر ؟ أو إنّها مسوقة لإبراز استحقاق العبوديّة والعبادة للّه سبحانه ونفي الأنداد والأضداد والأصنام ؟
الأظهر هو الثاني ؛ لوضوح أنّه لمّا قرأ العبد المصلّي ما حمده تعالى نفسه على ربوبيّته ورحمانيّته ورحيميّته ومالكيّته تعالى شأنه ، واستنار قلبه بتلاوة هذه الآيات الكريمة ومعارفها وأنوارها ، فأدرك موقعه وشأن موقفه الخطير بين يدي ربّه تعالى ، كأنّه لقّن إليه أن يخاطب ربّه ويعترف بما يجده في نفسه ببداهة عقله وعلمه بالعبوديّة ويحكم ميثاقها القدسيّ بينه وبين ربّه سبحانه فيتعهّد اللّه تعالى أن لا يعبد إلّا إياه ، ولا يتّخذ معبودا سواه ، وأن لا يشرك بربّه شيئا من هذه الأنداد والأضداد والأصنام .
فلمّا تمكّن في هذا الموقف الخطير قال :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ » .
وتقديم
« إِيَّاكَ »
لانحصار العبوديّة للّه سبحانه . وعبّر بقوله :
« نَعْبُدُ »
إعلانا بأنّه أدرج نفسه في زمرة الموحّدين وجعلها في جملة المؤمنين وفيهم الأنبياء والرّسل والأوصياء والصدّيقون والصّالحون ، يرجو من اللّه سبحانه إكرامه له وإيّاهم بكرمه ورحمته وتفضّله عليهم .
قوله تعالى :
« وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » .
( 5 )
لمّا أحكم العبد ميثاقه بالعبوديّة للّه تعالى وتعهّد حضوره بالوفاء والقيام على ذلك الميثاق فأدرك إنّيّته ونال ببداهة علمه فقره الذّاتيّ ، التجأ إلى ربّه تعالى وسأله أن يعينه فيمن أعان من عباده المؤمنين وأوليائه المتّقين . وفي تقديم
« إِيَّاكَ »
على قوله :