تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
ليوم الدّين ونفيها عمّا سواه . بل ، هو تعالى مالك على الإطلاق لجميع ما سواه . ولعلّ العناية في الإضافة هي بروز مالكيّته تعالى بأتمّ بروزاته في هذا اليوم ، حيث عنت الوجوه للحيّ القيّوم وقد خاب من حمل ظلما ، وقد ذلّت الجبابرة واستكانت الفراعنة . وحيث إن اللّه أخذ منهم ما أعطاهم من القدرة والجلال والسلطنة في الدنيا ، فعلموا أنّ الولاية للّه الحقّ . قال تعالى :
« وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ » .
[ الانفطار ( 82 ) / 17 - 19 ] قوله تعالى :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ » .
بيان : تحرير البحث في الآية الكريمة ضمن مسائل : 1 - لا يخفى أنّ الواجب على أهل البحث والاستنباط حمل الألفاظ الواردة في الكتاب والسّنّة على معانيها اللّغويّة والاجتناب عن حملها على المعاني المستحدثة المصطلحة بعد قرون من ظهور الإسلام . فإنّ ذلك يوجب خبطا واضحا وانحرافا عجيبا في معرفة الحقائق والمعاني . فالعبادة من الألفاظ الشائعة في الآيات والأحاديث . قال في لسان العرب 3 / 273 : ومعنى العبادة في اللّغة : الطّاعة مع الخضوع . ومنه : طريق معبّد : إذا كان مذلّلا بكثرة الوطء . وقال الراغب في مفرداته / 319 : العبوديّة : إظهار التذلّل . والعبادة أبلغ منها ؛ لأنّها غاية التذلّل . ولا يستحقّها إلّا من له الإفضال ؛ وهو اللّه تعالى . أقول : وأمّا مصداقها ؛ فكلّ طبيعة وقعت متعلّقة للأمر والطّلب وأتى بها المكلّف امتثالا لهذا الأمر ، فهي عبادة بالضرورة بالنسبة إلى الآمر ؛ من غير فرق بين أيّ متعلّق وأيّ طبيعة . فالسّجود لآدم بأمر اللّه عبادة للّه ومكرمة لآدم . والطّواف حول البيت ، وتقبيل الحجر الأسود ، واستقبال البيت في الصّلاة بأمر اللّه ، عبادة للّه وتكريم للبيت والحجر . والصّلاة على الرسول الأعظم ، وطلب الشّفاعة منه ، وزيارة قبره المطهّر ، والمودّة له ولآله الطاهرين بأمر اللّه ، عبادة وتكريم له صلّى اللّه عليه وآله ولآله عليهم السّلام . وهذه كلّها عبادة للّه يتقرّب بها إلى اللّه سبحانه من دون أدنى مساس وارتباط