بالمتعلّق من حيث كونها عبادة .
ومن الطبائع ما هو عبادة بذاتها من غير احتياج إلى قصد الأمر فيها ؛ لحسنها في حدّ نفسها . ومن ذلك المحسّنات والمقبّحات والواجبات والمحرّمات الّتي من باب المستقلّات العقليّة ، فإنّها لحسنها ووجوبها في ذاتها ، ممّا يتقرّب به إلى اللّه . وأمر الشارع فيها ، إرشاد وتذكرة إلى ذلك ؛ سواء كانت فريضة - مثل الإيمان باللّه وتوحيد ذاته - أو فضيلة من الفضائل - مثل ذكر اللّه والثناء عليه وأمثالهما . فكلّ ذلك ممّا يتقرّب به إلى اللّه سبحانه .
2 - قد ذكرنا في المسألة الأولى أنّ الإتيان بالطّبيعة المأمور بها ، بقصد أمرها ، يعدّ طاعة للآمر ويتحقّق به العبادة والتذلّل . وأمّا إتيان الطبيعة بقصد الغايات الأخرى غير قصد الأمر - مثل الرّغبة في الجنّة والفرار من النّار ونظائرهما - ففيه إشكال . بل لا بدّ في تحقّق عباديّتها قصد أمرها أوّلا ، كي تتحقّق عباديّتها ، ثمّ إتيان تلك العبادة بقصد هذه الغايات المذكورة . ويحصل بها الإخلاص إذا كان قصد العامل بها خالصا من الشوائب الأخرى . فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ قصد الأمر كما تتحقّق به العبادة ، كذلك يتحقّق به الإخلاص أيضا . وأمّا الغايات الأخرى ، فلا يتحقّق بها إلّا الإخلاص بالبيان الّذي ذكرناه .
فإن قلت : إن الغايات المذكورة إنّما يرجع نفعها إلى شخص العامل فكيف يتحقّق بها الإخلاص والتقرّب بها إلى اللّه .
قلت : نعم ؛ هذه العبادة وإن كانت مثل عبادة الأجير يطلب من المولى أجرة عمله ومثل عبادة العبيد يأتي بالعمل خوفا من مؤاخذة المولى ، إلّا أنّ الإيمان بالثواب والعقاب والتصديق بالجنّة والنّار ، من أعلى درجات الإيمان . فرضى اللّه تعالى عن هؤلاء المؤمنين بذلك ووعدهم وعدا جميلا من المثوبات الجليلة بحسب صريح الآيات والرّوايات ؛ نحو قوله تعالى :
« لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ »
[ الصّافّات ( 37 ) / 61 ]
فليعلم أنّ هذه المثوبات الكريمة تفضّل منه تعالى ، لا بالاستحقاق لعملهم .
وليس سبحانه مأخوذا بأجور عبادة العابدين ومسؤولا بأثمانها « 1 » . وحيث إنّه تعالى
هامش
( 1 ) - كتبنا في ذلك شرحا شافيا في رسالتنا في الحبط والتفكير .