وضعيّ اعتباريّ غير حقيقيّ . وهو مأخوذ من معنى آخر حقيقيّ نسمّيه أيضا ملكا ؛ وهو نحو قيام أجزاء وجودنا وقوانا بنا . فإنّ لنا بصرا وسمعا ويدا ورجلا . ومعنى هذا الملك أنّها في وجودها قائمة بوجودنا غير مستقلّة دوننا ، بل مستقلّة باستقلالنا ؛ ولنا أن نتصرّف فيها كيف شئنا . وهذا هو الملك الحقيقيّ . والّذي يمكن انتسابه إليه تعالى بحسب الحقيقة ، هو حقيقة الملك دون الاعتباريّ الّذي يبطل ببطلان الاعتبار والوضع .
أقول : المالكيّة عند أرباب الشرائع والملل من أشرف نعوته تعالى ومن أجلّ كمالاته سبحانه . وقوام الاختيار إنّما هو بالمالكيّة والسلطان الثابت بالذات على جميع ما سواه تعالى ، وعلى شؤونهم ، فالاختيار يعلّل بالمالكيّة الذاتيّة . فهو الملك الحقّ القيّوم ، وله الأمر من قبل ومن بعد . وهو تعالى قبل وجود الشيء مالك على إيجاده وبعده مالك على إبطاله ، فالمالكيّة تنافي الوجوب والإيجاب وتنافي العليّة التامّة .
وطريق التذكير إلى هذا الكمال هو التذكيرات الواردة في الكتاب والسنّة من إحداث العالم وما فيها ، وأنّه تعالى يعطي ويمنع ، ويهب ويسلب ، ويعزّ ويذلّ ، ويفقر ويغني ؛ وبالجملة جميع التقلّبات المشهودة في الخلق ، المعلومة بالعلم الضروريّ . قال تعالى :
« قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 26 ]
فهو سبحانه يعطي من يشاء ما يشاء كيف يشاء من المواهب والكمالات وسائر النعم بلا وجوب ولا إيجاب ولا تفويض .
وأوجه ما قيل في هذا الباب ما ذكره في اللّسان حيث قال : « الملك احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به . » فليس المالك مرادفا للقادر والقيّوم والمحيط . ولا يجوز إطلاق كلّ واحد من هذه الأسماء في مورد الآخر ؛ لفوات العناية الملحوظة في وضع كلّ منها بخصوصه . والمالكيّة كمال ذاتيّ له تعالى ؛ أي : إنّ كلّ ما سواه في قبضته وسلطته . وهي روح القدرة . فهو قادر لأنّه مالك .
والظاهر أنّ الفرق بينه وبين القادر ، أنّ الاهتمام المنظور في القادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل . والاهتمام المنظور في المالك أنّ ما سواه في قبضته وحيطته وسلطانه .